حماتي ظلمت ابني

فيه نوع معين من السكوت بينزل على البيوت الساعة 3 الصبح. السكوت ده ميكونش فيه أي سلام.. بالعكس، بيكون تقيل، يخنق، ويضغط على الودان لحد ما تسمع فيها صفير. كنت حاضنة ابني “نوح” على صدري في ضوء الأوضة الخافت.. كان عمره تلات أيام بس، والسكوت ده كان بيرعبني.
الرعب مكنش من هدوء البيت.. الرعب كان من السكوت اللي بين كل نفس والتاني بياخده.
جسمي نفسه كان عبارة عن ساحة معركة. غرز القيصرية كانت بتولع نار مع كل نفس قصير باخده.. هدومي كانت مبلولة من اللبن اللي نزل، شعري ملزق في قورتي، وطعم التعب والمرار كان مالي بوقي. بس كل ده مكنش هاممني.. كل تركيزي وطاقتي المرعوبة كانت متثبتة على الوزن الصغير اللي بين إيديا.
صوابعه الصغيره، اللي مش أكبر من عود الكبريت، كانت لافة على صباعي جامد، وفجأة بدأت ترخي.. راحت في غيبوبة. كنت عمالة أراقب طلوع ونزول صدره المرعب.. النفس كان متلخبط.. مخنوق.. وبعدين، حصلت الوقفة المرعبة! النفس انقطع.حصري روايات رولا
الجلد الناعم اللي حوالين شفايفه بدأ يتغير.. اللون الوردي بتاع الأطفال اللي لسه مولودين بدأ يختفي، واتبدل بلون رمادي يرعب.. أزرق باهت مفيش شك فيه.
همست بصوت ميت: “مصطفى..” حنجرتي كانت بتوجعني كأني بالعة إزاز مكسور: “مصطفى، اطلب الإسعاف!”
الأنانية والقلب الميت
جوزي كان واقف عند بار المطبخ، شايفاه من الباب المفتوح. النور الأزرق بتاع شاشة موبايله كان منور وشه.. كان عمال يقلب في الموبايل، وشه منشن وبان عليه الضيق اللي مبيطلعوش غير ليا أنا وبس. وأمه “الحاجة ميرفت” كانت قاعدة قدامه.. كانت جاية تقعد معانا بحجة “إنها تساعدني في الأيام الأولى”، بس المساعدة دي كانت عبارة عن تقطيم في طريقتي في الرضاعة، وتغيير ترتيب برطمانات التوابل في المطبخ، والتعامل مع وجعي الجسدي كأنه تمثيلية رخيصة عشان أدلع.
بصت “الحاجة ميرفت” من فوق فنجان الشاي بتاعها، وطلعت ضحكة صفرا وخفيفة.. وقالت لمصطفى بصوت عالي من غير ما حتى تكلف نفسها توطيه: “بص عليها.. دي بس عايزة تلفت الانتباه. الأول كانت بتعيط من الوجع، ودلوقتي بدأ يجيلها هلاوس.. ده اكتئاب ما بعد الولادة يا مصطفى، أنا حذرتك من قعدات الستات دي.”
حضنت “نوح” أكتر، وقربته مني وأنا حاسة بقلبه بيفرفر زي الفراشة المحبوسة. بصيت لمصطفى وأنا بترجاه بعيني يفهم: “مصطفى.. أرجوك.. وشه بيزرقّ!”حصري روايات رولا
زعقت أمه بنبرة كلها توبيخ وقسوة: “الواد سقعان يا إيمان! العيال بتسقع لما أمهاتهم يصروا يمشوا حافيين في نص الليل بدل ما يلفوهم كويس بالبطانية.”
قولت والركب بتخبط في بعضها من الخوف: “لأ.. ده مش سقعان.. فيه مصيبة بتحصل!”
مصطفى أخيراً شال عينه من على الشاشة.. مشي ببطء، خطواته كانت تقيلة كأنه مغصوب. وطى، وبص في وش نوح نص ثانية في الضلمة، وطلع تنهيدة طويلة ومصطنعة.
وقال بنبرة كلها استعلاء وقرف: “إيمان.. أمي ربت تلات عيال زي الورد وصحتهم بمبي. إنتي بقالك أم بقالك تلات أيام بالظبط.. بطلي تعملي فيها دكتورة وتفتي.. الواد مفيش فيه حاجة.”
الكلمة دي دخلت في قلبي زي السك..ينة.. دمرت الحتة الصغيرة اللي كانت باقية من ثقتي في نفسي كأم جديدة.حصري روايات رولا
مجادلتش.. مكنش عندي نفس أضيعه. مديت إيدي عشان أخد موبايلي اللي كان على ترابيزة الغيار.
بس حماتي كانت أسرع.. الست اللي كانت بتشتكي إن ركبها بتوجعها دايماً، مفاصلها بقت سريعة زي البرق. خطفت الموبايل من على الرخامة، صوابعها لمست إيدي، وحطت الموبايل بسلاسة في جيب عبايتها الواسع.
وقالت بابتسامة زي السم في العسل: “إنتي محتاجة ترتاحي يا حبيبتي.. مش محتاجة جوجل ولا وجع دماغ.. ومش ناقصين دراما زيادة.”
زعقت وصوتي بيرعش من غضب مكنتش أعرف إنه جوايا: “هاتي الموبايل!”
مصطفى وقف بيني وبينها.. مطلبش من أمه ترجعلي الموبايل، بالعكس، مد إيده في شنطتي المفتوحة اللي على ترابيزة الصالة وسحب الفيزا كارد (فيزا المشتريات) بتاعتي!
وقال بصوت بارد وقاطع: “إحنا ماشيين يا إيمان.. قبل ما تبوظي السفرية دي كمان.”
بربشت بعيني وأنا مش قادرة أستوعب من كتر التعب: “سفرية؟!”
حماتي ابتسمت ابتسامة انتصار حقيقية: “شرم الشيخ.. خمس أيام. مصطفى محتاج شوية هدوء وراحة لسرير دماغه بعد قرف الشغل، وبصراحة أنا كمان محتاجة.. الجو هنا بقى نكد وميتعاش فيه.”
سألت والذهول مغطي على الرعب لحظتها: “بالفيزا بتاعتي؟!”حصري روايات رولا
ردت حماتي وهي رافعة راسها لفوق: “إنتي المفروض تبوسي إيدك وش وضهر وتشكري العيلة دي.. بعد كل القرف والتصرفات المحرجة اللي مصطفى استحملها منك من يوم ما دخلنا بيتك.”
كنت واقفة هناك.. بنزف جسدياً، بترعش كلي، شايلة طفل عمره تلات أيام وبيموت عشان ياخد نفسه.. وجوزي وأمه بيلموا نظارات الشمس البراند وبيضحكوا وهم بيأكدوا حجز الفندق اللي على البحر!
مصطفى مشي من جنبي ناحية الباب، وشنطة السفر بتتجر وراه على الأرض الخشب. وقف، وطى، وباس نوح بوسة باردة وسريعة على قورته.. حتى مبصش في وش ابنه!
وقال وهو إيده على أكرة الباب: “بطلي تخوفي نفسك يا إيمان.. لما أرجع هنبقى نتفاهم على تصرفاتك دي.”
الباب التقيل اتقفل.. وصوت القفل وهو بيعشق كان زي طلقة في راسي.
البيت بقى هادي تماماً.. هدوء مرعب، مفيش فيه غير صوت نفس نوح الضعيف والمكسور.
الوحش المحقق بيصحى
هم كانوا فاكريني عاجزة.. فاكريني مجرد ست والدة قيصري، حافية، معزولة، ومرمية في هرمونات الاكتئاب. نسوا تماماً أنا كنت بشتغل إيه لمدة 7 سنين قبل ما أكون زوجة مطيعة لمصطفى!
قبل الجواز، وقبل الحمل، وقبل ما حماتي تقرر إني ضعيفة وكسيرة جناح ومتناقش ابنها.. أنا قضيت 7 سنين كـ “محققة مخاطر أولى” في إدارة الشؤون القانونية لأكبر شبكة مستشفيات استثمارية في مصر.حصري روايات رولا مكنتش ببني مستشفيات.. أنا كنت ببني قضايا! كان شغلي اليومي إني أفكك قضايا الإهمال الطبي، أتتبع التوقيتات بالثانية، أطلع أوامر استدعاء لسجلات المكالمات، أحلل تفريغ كاميرات المراقبة، وأطلع الكدب اللي الدكاترة والإداريين بيستخبوا وراه عشان يداروا جري..متهم ويسقطوا الحقوق.
ولما ابني وقف نفسه بين إيديا.. الحتة اللي هم استهانوا بيها ودب..حوها جوايا.. فتحت عينها فجأة!
مصوتش.. منهرتش.. الرعب الأمومي اتمحور وبقى تركيز حاد وبارد لدرجة تخوف.
كنت محتاجة تليفون!
حماتي خدت موبايلي الذكي، بس أنا حافظة تضاريس بيتي كويس. حطت نوح براحة في سريراً الصغير، صدره كان بيعافر ضد الوزن اللي كاتم على الرئة. جريت على غسالة الهدوم.. قلبت سبت الغسيل، رميت الفوط والملايات على الأرض لحد ما صوابعي لمست البلاستيك الساقع بتاع تليفوني القديم.
هي مخدتوش معاها.. هي خبته! بس لما دست على زرار الباور، الشاشة فضلت سودا.. كانت مفضية البطارية عن قصد وواخدة وصلة الشحن!
إيديا كانت بترعش لدرجة إن التليفون وقع مني مرتين. زحفت على ركبي وإيديا—الوقوف عدل كان بيضرب خطوط نار ووجع في غرز القيصرية—لحد ما وصلت لأوضة الضيوف وفتحت درج الكراكيب.حصري روايات رولا
صوابعي قعدت تخربش وسط البطاريات القديمة ومنيوهات الدليفري لحد ما قفلت على موبايل زراير قديم (بتاع الطوارئ).
فتحته.. الشاشة نورت أخضر باهت.
“لا توجد شبكة.”
الشبكة في منطقتنا زفت، وبتعتمد على مكالمات الواي فاي.. وأنا معنديش الباسورد بتاع الراوتر الجديد اللي مصطفى ركبه وغيره إمبارح بعبطه!
زحفت تاني لحد السرير.. شفايف نوح مكنتش باهتة بس.. دي بقت بنفسجي غامق يخوف! عينه كانت مقفولة، ونفسه كان سريع ومتقطع زي الرفرفة الأخيرة لطير بيموت.
شيلته، لفيته جامد في بطانية فرو. مالبستش شبشب في رجلي.. ماخدتش جاكت.
ركلت الباب برجلي وجريت في الهوا الساقع بتاع الفجر.
أرض الرصيف الخرسانة كانت زي التلج تحت رجلي الحافية. صرخت.. مكنتش كلمة، كانت صرخة وحشية طالعة من أعمق حتة في صدري. صرخت لحد ما زوري اتجرح، وأنا بجرى ناحية البيت الوحيد اللي منور في الشارع.
طنط “سعاد”، جارتنا العجوزة، كانت بتفتح بابها وهي لامة الروب عليها عشان تتطمن على الصوت. خدت بة واحدة في وشي، وبعدين بصت على اللفة الزرقا اللي بين إيديا.حصري روايات رولا
مسألتش ولا سؤال.. وشها بقى أبيض زي الحيطة: “الإسعاف!” قالتها وصوتها بيرعش وهي رافعة التليفون الأرضي على ودنها.. كانت بتطلبهم فعلاً والدموع في عينيها.
الكابوس في المستشفى
في المستشفى، الهدوء المرعب بتاع البيت اتبدل بالدوشة والزحمة والوجع بتاع أوضة الطوارئ. إضاءة فلوروسنت تضرب في العين، صوت كوتشيات الحكيمات وهي بتصفر على الأرض، وجري مرعب ملوش نهاية.
ممرضة عينها طيبة خدت نوح من بين إيديا براحة.. مكنتش عايزة أسيبه، بس كنت عارفة إن ده الصح. الدكتور زعق بـ “كود طبي” أنا عارفاها وحافظاها من شغلي القديم.. كلمات خلت الدم يتجمد في عروقي.
دخلوني أوضة انتظار صغيرة ومعقمة. دكتور امتياز، شكله كان صغير أوي، قعد يسألني أسئلة ورا بعض زي الرصاص.. وأنا كنت بجاوب زي الآلة، عقلي مقسوم نصين بين الأوضة وبين الطوارئ جوة.
“بقالها قد إيه الشفايف زرقا؟”
“امتى بدأ النفس يتلخبط كده؟”
“يا مدام.. إنتي ليه استنيتي كل ده عقبال ما تجيبيه المستشفى؟”
السؤال الأخير ده كان هيد..بحني.. النبرة كان فيها لوم وتقطيع وتحميل مسئولية.حصري روايات رولا
قولت وصوتي هادي بشكل يخوف، مع إن إيديا كانت بترعش لدرجة إني قعدت عليها عشان أثبتها: “أنا مستنيتش.. جوزي وأمه خدوا موبايلي.. قفلوا عليا البيت وسرقوا الفيزا ومشيوا.”
أخصائية اجتماعية صغيرة كانت واقفة في الركن، نزلت البورد اللي في إيدها فجأة.. والبرود المهني اتمسح من وشها.
قربت مني وقالت: “مين اللي عمل كده يا فندم؟”
بصيت من الشباك الإزاز الصغير بتاع الأوضة، ولمحت دكاترة الطوارئ وهم ملمومين على السرير.. سرير كان كبير أوي على الجسم الصغير اللي نايم عليه.
كررت من غير أي مشاعر في صوتي: “جوزي.. وأمه.”
المأساة وبداية الحساب
بعد أربع ساعات من العذاب، استشاري قلب الأطفال دخل أوضة الانتظار. كان باين عليه التعب الميت.. عينه قالتلي الخبر قبل ما بوقه يتفتح.
قال بصوت ثابت بس حزين: “نوح عنده عيب خلقي حرج في القلب.. ضيق شديد في الشريان الأورطي. الموضوع كان ممكن يتعالج لو اتلحق أول ما الأعراض ظهرت ونقلناه رعاية مركزة فوراً.. بس التأخير كان كارثي.”
سألته ومش قادرة أكمل الجملة: “هو…”
رد بحنية: “هو عدى من العملية الأولى بالعافية.. بس التأخير عمل ضغط كبير على أعضائه وفيه هبوط في الدورة الدموية. الـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة.”
عدت الليلة الأولى.حصري روايات رولا
في الليلة الثانية، وأنا قاعدة على الكرسي البلاستيك الناشف جنب الحضانة بتاعته، براقب الأرقام اللي بتلعب على الشاشات، تابلت الشغل بتاعي اتهز. كان متوصل بحساب “الآيكلود” بتاع العيلة اللي مصطفى بذكائه المعهود متعبش نفسه وعمل منه تسجيل خروج.
ظهر إشعار.. مصطفى نزل صورة جديدة على الفيسبوك والإنستجرام.
كان هو وحماتي.. واقفين على رملة بيضا في شاطئ نضيف في شرم، والشمس وراهم بتغرب ومنورة السما بألوان تجنن. الاتنين كانوا ماسكين كاسات عصير ملونة، وبيضحكوا من قلبهم للكاميرا.
والكابشن (الكلام اللي مكتوب تحت الصورة): “أخيراً هروب من النكد والدراما.. هدوء وراحة كنا محتاجينهم أوي.”
فضلت باصة للشاشة، والنور الأزرق عاكس في عيوني المليانة دموع.
أخدت سكرين شوت.. وحفظتها في فولدر مخفي ومشفّر على السيرفر.
بعد ساعتين، إشعار تاني.. حماتي لابة نظارة شمس براند كبيرة وغالية، وماسكة شنط شوبنج من محلات براندات عالية قدام مول فاخر هناك.
والكابشن مكتوب من حساب مصطفى: “فيه ناس بتعشق خلق المشاكل.. وناس بتصنع ذكريات حلوة.”
حفظت دي كمان.
في اليوم الثالث.. الإنذارات في أوضة نوح بدأت تصرخ. الانتظار القاتل كان طويل أوي.. قلة الأكسجين عملت مفعولها في المخ. أعضائه الصغيرة بدأت تفشل.. واحد ورا التاني.. زي أحجار الدومينو.
في اليوم الرابع، في الساعات الأولى من الصبح.. كنت حاضنة ابني والخط الأخير على الشاشة اتمط وبقى خط مستمر.. مفيش نبض. زيرووو.حصري روايات رولا
ساعتها بس.. بطلت أعيط. مش عشان الوجع خلص.. مخلصش، هو بس اتحول لحاجة تانية.. الوجع والكسرة اتجمدوا وبقوا حاجة نضيفة، باردة، وخطيرة لأبعد حد. مكنتش مجرد أم مكسورة بتعيط على ابنها.. أنا رجعت “المحققة الشرسة” وعندي قض..ية عمري!
مسبتش المستشفى فوراً.. قعدت في الأوضة المعقمة اللي بيوفروها للأهالي. منمتش.. اشتغلت!
كلمت إدارة المستشفى.. وعملت تفويض قانوني لتوثيق كل الكبيرة والصغيرة. طلبت الحفاظ على كل كلمة كتبتها ممرضة الطوارئ وهي سامعاني بقول إن تليفوني اتسرق واتحبست. طلبت صور للكدمات الباهتة اللي في كعب نوح مكان لزق جهاز الأكسجين لأن الدورة الدموية كانت ماتت.. مضيت على كل ورقة حطوها قدامي، وطلبت نسخ معتمدة من الملف الطبي كله وعليها ختم النسر والمستشفى.
وبعدين، عملت أهم مكالمة في حياتي.
طلبت رقم “رشا”.. زميلتي القديمة ومثلي الأعلى في الشؤون القانونية للمستشفيات.. ودلوقتي هي شريكة كبرى في مكتب محاماة تقيل جداً ومتخصص في الجنايات وقضايا الأسرة الشرسة.
قولت لما ردت، وصوتي كان ناشف ومبحوح: “رشا.. أنا إيمان.”
“إيمان! يا نهار أبيض، أنا سمعت عن البيبي.. أنا آسفة جداً يا حبيبتي، البقاء لله، محتاجة إيه؟”
رديت وصوتي فيه تركيز حاد: “عايزاكي تجهزي جواب إنذار قضائي رسمي بالتحفظ على الأدلة، ويتبعت بالبريد السريع وفوراً.. قبل الضهر.”
سألت رشا والتعاطف في صوتها اتمسح وحل محله التركيز المهني: “لمين؟”
“لجوزي مصطفى.. لأمه ميرفت.. لشركة الطيران اللي سافروا عليها.. للفندق اللي قاعدين فيه في شرم.. للبنك بتاعي اللي اتسرق.. ولشركة أوبر اللي خدتهم من قدام البيت الساعة 3:15 الصبح يوم الخميس.”
رشا سكتت تماماً.. السكوت طال للحظات تقيلة.
قالت بصوت واطي وهي فاهمة الأبعاد المرعبة للستة دي: “إيمان.. إيه اللي حصل؟”
حكيتلها.. حكيتلها عن الشفايف الزرقا، الموبايل المستخبي، الفيزا المسروقة، والطيارة اللي طلعوها وابني بيموت ومخنوق.
سمعت شهقة رشا، وبعدها صوت قلم بيكتب بسرعة على المكتب.
قالت وصوتها نزل لطبقة مرعبة: “هم وقعوا مع الست الغلط.. الأوامر القضائية وجلسات التحقيق والتحفظ هتكون صقر في المحكمة قبل ما تقفل النهاردة.”
المواجهة الأخيرة حصري روايات رولا
عقبال ما مصطفى تكرم ورد على الإيميلات المرعبة والمنهارة اللي بعتهالها في أول يوم.. كان نوح مات بقاله 14 ساعة.
رد في رسالة مستفزة من موبايله: “بطلي تعاقبينا وتنكدي عشان اتجننتي من شوية برد للواد.. هنرجع يوم التلات.. اعقلي بقى وبطلي حركاتك دي.”
مردتش.. خدت السكرين شوت وعملتلها فوروارد لرشا.
وبعدين.. روحت البيت.
البيت كان هادي بشكل يقبض القلب.. لسه ريحته بودرة أطفال، دهان جديد، واللافندر اللي حماتي بتموت فيه. دخلت أوضة الأطفال.. السرير كان مترتب بالمسطرة، ملمسوش حد. اللعبة اللي بتلف فوق السرير كانت واقفة.
معيطتش.. دخلت مكتب مصطفى.
هو كان من نوعية الرجالة اللي فاكرين إن بوجودهم وسيطرتهم بس حاجتهم محمية.. مكنتش بيقفل كمبيوتر المكتب بتاعه بباسورد لأنه كان شايفني تافهة، عاطفية، ومستهلكة في الأمومة ومش هفكر أبص في تفاصيله أو أفهم تكنولوجيا.
فتحت اللاب توب.. الشاشة نورت.
فتحت الأبليكيشن بتاع الواتساب ويب المربوط بموبايله.. ورجعت بالوقت لليلة اللي مشيوا فيها.
وهناك كانت.. البصمة الرقمية لإهمالهم الخسيس ونواياهم:
حماتي: “خدي تليفونها وإلا هتطلب الإسعاف على الفاضي وتقعدنا في مستشفيات.. دي مجنونة وهستيرية وعايزة تبوظ السفرية.”
مصطفى: “قشطة، هخبيه في سبت الغسيل تحت.. بس أنا هاخد الفيزا بتاعتها عشان أعمل أبجريد للأوضة في الفندق ونخليها سويت ع البحر.. تستاهل تدفع الفاتورة عشان بوظت عليا أول أسبوع في إجازة الأبوة بنكدها.”
إيديا متهزتش وأنا باخد السكرين شوتس.. طبعت كل حاجة.. الرسائل، إنذارات البنك اللي بتثبت سحب آلاف الجنيهات من حسابي الخاص وهم في الجو، ووصل أوبر اللي بيثبت وقت التحرك بعد 10 دقائق بالظبط من وقت ما رجيتهم يطلبوا الإسعاف.
جمعت تلات ملفات كرافت بني.. متنظمين بالمسطرة.
طفيت أنوار البيت كلها.. وقعدت في الضلمة على رأس ترابيزة السفرة.. ومستنياهم يرجعوا.
الحساب يجمع
دخلوا البيت بنفس الطريقة اللي مشيوا بيها: تان (بشرة برونزية من الشمس)، صوت عالي، وعمى تام عن الكارثة اللي عملوها.
الباب اتفتح بصوت عالي.. حماتي دخلت الأولى، لافة إيشارب حرير ملون، نظارة الشمس مرفوعة فوق شعرها، وشايلة شنطتين شوبنج تقال من براندات غالية. ومصطفى وراها، بيجر شنطة سفر كبيرة.. كان وشه محمر من الشمس، ريلاكس، وبيضحك.
الضحكة ماتت أول ما عتبه رجله الصالة.
وقف، عينه بتلف في المكان.. الفوضى الجميلة اللي كان مستنيها مش موجودة.
مفيش زينة ترحيب.. مفيش سرير بيبي في الصالة.. مفيش مرجحة أطفال بتزن في الركن.. البيت كان نضيف زيادة عن اللزوم، ساقع، ومهجور.
وبعدين.. شافني!
كنت قاعدة من غير أي حركة على رأس ترابيزة السفرة الكبيرة.. لابة فستان أسود بسيط ومقفول لحد الرقبة.. شعري ملموم لورا جامد.. والتلات ملفات محطوطين قدامي بهندسة مرعبة على الخشب الملمع.
ضحكة مصطفى اتهزت، وبان على وشه ذهول حقيقي: “إيمان؟ الدنيا ضلمة كده ليه؟ فين نوح؟”
بصيتله لثانية طويلة وموجعة.. متكلمتش.. سبت السكوت يطول لحد ما يبقى يخنق.
صاحت حماتي بنبرة درامية وهي بتقل عينيها وبتحدف شنط الشوبنج على الأرض: “أوه، متديهاش اهتمام يا مصطفى.. دي بتعمل شو ونكد كالعادة.. تلاقيها قفشت عشان مجبناش ليها عباية ولا تذكار معانا.. الحركات الباردة دي بتفصلني!”
مصطفى قرب خطوة من الترابيزة، والذهول اتقلب لضيق: “إيمان.. بلاش ألعاب عيال.. فين ابني؟”
كلمة “ابني” دي كانت هتخليني أضحك.. كلمة قذرة وتملكية طالعة من بوق واحد زيه.
قولت بصوت فلات تماماً، مفيش فيه أي نبرة حزن أو فرح.. زي مذيعة الأخبار وهي بتقول نشرة وفوايات: “مات يوم الخميس الصبح.”
الشنطة الجلد التقيلة وقعت من إيد مصطفى على الأرض الخشب برزعة هزت البيت.
حماتي حطت إيدها على زورها وشهقت.
مصطفى رجع لورا، كأن الأوضة نفسها ضربته بوكس في صدره: “لأ.. لأ يا إيمان، الهزار ده بايخ.. دي نكتة زبالة عشان تنتقمي.”
“دي مش نكتة يا مصطفى.. أنا مبهزرش في الموت.”
وشه انهار.. القناع البرونزي المغرور اتمسح، وظهر الراجل الصغير المرعوب اللي جواه. حماتي بوقها كان بيتفتح ويتقفل زي السمكة، ومفيش أي صوت طالع.. الحقيقة كانت أكبر من إن مخها المريض يستوعبها.
مادتهمش فرصة يتنفسوا.. زقيت أول ملف على الخشب لحد ما وقف عند حرف الترابيزة قدامه.
وقلت: “ملف المستشفى.. تقرير الإسعاف الرسمي.. شهادة طنط سعاد اللي طلبت النجدة والإسعاف عشان كنت بصرخ في الشارع حافية والبيت مقفول عليا.. وقت المكالمة بالظبط بعد 14 دقيقة من تحرك عربية الأوبر بتاعتكم.”
زقيت الملف التاني.. خبط في الأولاني براحة.
“سحوبات البنك.. تذاكر الطيران.. فاتورة السويت الفاخر في الريزورت.. كل مليم صرفتوه بالفيزا المسروقة بتاعتي في نفس الوقت اللي أعضاء ابني كانت بتقف فيها بسبب نقص الأكسجين اللي إنت وأمك منعتوه عنه.”
شيلت الملف التالت في إيدي.
وقلت وصوتي نزل لهمس قاتل: “سكرين شوتس.. رسايلكم الواتساب.. أمك وهي بتقولك اخفي التليفون عشان ‘هستيرية’.. وإنت موافق وبتقول إنك هتصرف فلوسي كعقاب ليا.” رميت الملف على الترابيزة برزعة تقيلة وقاطعة.
مصطفى كان بيبص للتلات ملفات كأنهم نار قايدة بتاكل في عينه.. نفسه بقى سريع ومخلوق.
حماتي، وهي بتموت عشان تلحق منظرها وكبريائها المزيف، صرخت وهي بتشاور عليا بصابع بيرعش: “ده كلام صدمة يا مصطفى! البت دي اتجننت مش متزنة.. الواد مات منها وبتلبسهالنا عشان تداري على خيبتها وفشلها كأم!”
قبل ما مصطفى ينطق.. جرس الباب التقيل رن.. الصوت قطع العياط والنقاش زي السك..ينة.
اتنين أمناء شرطة ومعاهم معاون المباحث بزي رسمي كانوا واقفين على الباب.. ووراهم، بشكل أشرس وأبرد من أي وقت شوفتها فيه.. كانت رشا المحامية.
وش حماتي اتغير.. مكنش خوف لسه، كان تفكير سريع لست حربوقة متعودة تطلع من المخالفات والمشاكل بلسانها وتوقع بين الناس.. مكنتش فاهمة إن دي مش قعدة عرب ومفاوضة!
رشا دخلت جوة، ونفضت لحماتي تماماً وتجاهلتها.. وبصت لمصطفى علطول.
وقالت بصوت فيه سلطة قانونية ترعب: “مدام ميرفت ومستر مصطفى.. أنتم الآن قيد التحقيق الرسمي بتهم الإهمال والق..تل الخطأ المقترن بالجناية، السرقة الكبرى، والاحتجاز العمدي وتعطيل تقديم الرعاية الطبية الطارئة.. وفيه قضايا مدنية وشق جنائي ارفعوا النهاردة الضهر وصدر فيهم أوامر ضبط وإحضار.”
مصطفى قعد يهز راسه لورا وقدام وهو بيعيط، والدموع مغرقة وشه المحروق من شمس شرم.. بصلي كأنه شحات مكسور: “إيمان.. مكنتش أعرف.. والله العظيم مكنتش أعرف إنه تعبان وبيموت كده!”
وقفت من على السفرة وقولتله بقرف: “إنت مكنتش ‘عايز’ تعرف يا مصطفى.. إنت كنت عايز تطلع رحلة وتصيف بفلوسي.”
وقع على ركبه على الأرض الخشب، وهو بيشهق ويمد إيده ناحيتي: “أرجوكي يا إيمان.. أرجوكي.. أنا كنت بحبه.. ده ابني برضه.”
رجعت خطوة لورا عشان إيده م تلمسش فستاني وقولت بصوت واطي: “لأ.. إنت كنت بتحب نفسك وراحتك.. كنت بتحب تطلع صح وأمك تسيطر.. مكنتش بتحبه كفاية عشان تبص في وشه وتنقذه.”
حماتي، لسه بتعافر برخص، زعقت لرشا: “دي بتعمل كده عشان التعويض والمؤخر! عشان الفلوس! عايزة تبتزنا وتعمل تسوية!”
رشا ابتسمت.. ابتسامة باردة ومرعبة تعد بالخراب: “تقدري تطمني يا مدام.. تعويض الوفاة، وبوليصة التأمين، وكل الأصول والفلوس والشقة الزوجية اللي إيمان شارياها تم تجميدها والتحفظ عليها بأمر قضائي مستعجل النهاردة الضهر.. مش هتقدروا تلمسوا مليم لا إنتي ولا ابنك.. آه، وبالمناسبة يا مصطفى؟ مدام إيمان رفعت قض..ية طلاق للضرر الساعة 9 الصبح النهاردة وفي طريقها للخلع كمان عشان نخلص.”
مصطفى بصلي وهو على ركبه، عينه فيها ذهول وخراب تام: “إيمان.. هتسيبيني؟”
بصيت للراجل اللي سرق من ابني فرصة يعيش عشان يشرب عصاير ويشوف الغروب على البحر..
وقلت بصوت واطي: “مصطفى.. أنا سبتك من اللحظة اللي قفلت فيها الباب وراك.”
العدالة والنهاية
القض..ية مشيت بسرعة الصاروخ، لأن الغرور الأعمى والغباء دايماً بيسيب وراه بصمات غبية وميتمسحش في العصر الرقمي.
رسايل حماتي بقت دليل مادي لا يقبل الشك قدام النيابة والمحكمة.. بوستات مصطفى على السوشيال ميديا بالوقت والمكان والتاريخ بقت أحراز إدانة قاطعة.. طنط سعاد شهدت وهي دمعتها على خدها.. الدكاترة والممرضات والمستشفى شهدوا.. والبنك أكد السحوبات غير المصرح بيها في نفس دقيقة دخول ابني الرعاية.
حاولوا يحاربوا في الأول، جابوا محامين كبار بفلوس كتير وقالوا “سوء تفاهم وجهل بالمرض وقفلت تليفون عادية”.. بس الخط القانوني والرقمي اللي أنا بنيته كان قفص حديد مفيش منه هروب ولا ثغرة.
حماتي اضطرت تبيع شقتها الكبيرة عشان تغطي مصاريف المحامين المستغلين.. وأصحابها ومعارفها في المنطقة بطلوا يردوا على مكالماتها وقاطعوها بعد الفضيحة. مصطفى اترفد بفضيحة وبند إخلال بالشرف من شغلانته الكبيرة في البنك الاستثماري أول ما القضي..ة الجنائية طلعت للعلن.. واسمه اتمسح في الأرض وبقى منبوذ.
في النهاية، وقدام الأدلة اللي تودي ورا الشمس.. مصطفى وأمه وافقوا على “إقرار بالذنب” وتنازلات تضمن ليهم حكم مخفف في تهم “تعريض حياة طفل للخطر والسرقة”.. هربوا من المحاكمة الطويلة الفاضحة أمام الرأي العام، بس مهربوش من حبل السجن البدني اللي دفنهم جوة حيطان مبتسمعش لأعذار حد.
سلام نوح
بعد سنة بالظبط.. الجو كان منعش ونضيف.حصري روايات رولا
كنت واقفة في الجنينة برة مستشفى الأطفال.. نفس المستشفى اللي نوح خد فيها أخر نفس.. كنت واقفة تحت شجرة صغيرة لسه مزروعة جديد.
تحت الشجرة، كان فيه لوحة برونزية صغيرة مكتوب عليها: “الطفل نوح.. في الجنة إن شاء الله.”
الفلوس الكثيرة اللي طلعت من التعويضات ومن تجميد الأموال م دخلتش حسابي البنكي الخاص.. مكنتش عايزاها ولا طايقة ألمسها.. عملت بيها “مؤسسة نوح الخيرية لإنقاذ الأطفال”.. المؤسسة دي بتوفر تليفونات طوارئ مجهزة بخط مباشر وسريع وجهاز تتبع وأكسجين صغير، بتتركب مجاناً في بيوت الأمهات المغتربات أو اللي لسه والدين ومعزولين في مناطق مقطوعة.. من غير أسئلة، ومن غير ما تحتاجي موافقة جوز أو حماة.. خط إنقاذ مباشر للمستشفى علطول يسحب الحالة.
ممرضة أطفال صغيرة، من اللي كانوا في أوضة الطوارئ في الليلة الضلمة ديك، خرجت من الباب وجت ناحيتي.. كانت مبتسمة بحذر وفي عينيها فخر.
أدتني صورة مطبوعة.. صورة لطفل صغير زي الورد، نايم في أمان في سريره ووشه بمبي.
قالت الممرضة بصوت حنين: “ده سليم.. أمه استخدمت تليفون وجهاز من بتوع المؤسسة إمبارح بالليل لما جوزها استهتر بسخونية الواد وقالها ده دلع ونام وسابها.. الإسعاف وصلت في 6 دقائق بالظبط.. وهو هيبقى كويس يا إيمان.. بسبب نوح.”
بصيت للصورة، ومشيت صباعي على طرف الورقة.. الدموع نزلت من عيني، بس مكنتش دموع وجع وعذاب.. كانت دموع راحة.. راحة رهيبة وصافية.
مديت إيدي ولمست اسم نوح المحفور على البرونز الساقع.
ورايا.. المدينة كانت عمالة تغني بالحياة.. العربيات بتعدي في الشارع، الناس بتجري على أشغالها، والدنيا بتلف.. وجنينة المستشفى كانت هادية أوي.
لأول مرة من يوم ما شوفت ابني وشه بيزرق.. نار الانتقام مكنتش بتاكل في صدري.
وأنا واقفة تحت الشجرة اللي بتكبر، والشركة الهادية بتهز ورقها الجديد مع الهوا.. حسيت بحاجة تانية خالص..
حسيت بالسلام.
👇 التكملة القوية والنهاية اللي تبرد القلب نزلت كاملة أهو يا جماعة في الكومنتات زي ما طلبتوا! تفاعلوا مع البوست وشير عشان يوصل لأكبر عدد والكل يتعلم الدرس.. إيه رأيكم في اللي إيمان عملته؟ لو مكانها كنتوا هتعملوا إيه مع مصطفى وأمه؟

