عزومه

حصري لصفحة روايات رولا
في عزومة الشوي بتاعة العيلة، ابن الصغير “زين” اللي عنده ٤ سنين طلب شوية بطاطس محمرة.. لقيت أمي بتسحب الطبق من قدامه بكل قسوة وتقول: “دي للعيال الحقيقيين بس.. أحفادي بجد!”
​العيلة كلها ضحكت، ما حدش اتكلم. مسكت إيد زين وخرجنا من البيت فوراً.
​على السادسة مساءً، كنا قاعدين في مطعم هادي في المعادي، ريحة الأكل والبطاطس الطازة مالية المكان. قعدنا في الكنبة الحمرا، وزين حاطط إيديه الاتنين في حِضنه بكل أدب، لحد ما الجرسون نزل طبق البطاطس السخن قدامنا.
​زين بص للطبق، وبعدين بصلي بعيون خايفة وسألني بصوت واطي: “هو الأكل ده للأطفال الحقيقيين بس؟”
​طفل عنده ٤ سنين بيسأل سؤال زي ده!
​قربت الطبق منه وقلتله: “الأكل ده ليك أنت يا زين.. عشانك أنت بس.”
​مسك صباع بطاطس، كسره نصين، وحط النص الكبير على منديلي. رغم القسوة اللي شافها من شوية، أول حاجة فكر فيها إنه يشاركني أصله وطيبته.
​ونحنا راجعين في العربية، كان باصص من الشباك وسرحان في شوارع القاهرة، وسألني بصوت مخنوق: “هي تيتة لسه تيتة بتاعتي؟”
​نزلت لمست إيده وقلتله إن الكبار ساعات بيقولوا كلام يجرح عشان يبانوا أقوياء قدام الناس، بس مفيش كلمة تقدر تغير مكانته عندي ولا هتغير إنه ابني وحبيبي. هز رأسه وسكت، وما منطقش كلمة “تيتة” تاني طول الليل.
​أول ما دخلنا البيت وشلته لسريره، تلفوني كان مابيتوقفش عن الرن. طنشت المكالمات لحد ما لبسته بيجامته وغطيته بلحاف الديناصورات بتاعه، وفي خلال ربع ساعة كان نام، وجنبه ورقة المطعم المطبوعة متطبقة على الكومودينو.
​أمي كانت رانة 19 مرة!
​أول فويس نزل منها كانت بتقول بغضب: “أنت كسفتيني وحرجتيني قدام العيلة كلها!”
والفويس الثانية: “ختك أختك أخدت ابنها ومشيت بسبب العمايل اللي عملتيها!”
أما الفويس التالتة فكان صوتها فيه خوف ومش قادرة تسيطر على الموقف: “الكل نازل لوم فيا دلوقتي.. كلمي أختك وقوليلها إني كنت بهزر!”
​هنا ما استحملتش، ورديت عليها بالرسالة اللي كانت محبوسة في قلبي من وقت العزومة:
“افتسكري كلامك كويس يا أمي.. اللي يكسر ابني قدام الناس في العلن، مالوش عين يطلبني في السر ويقولي إحنا عيلة.”
​ردت عليا في نفس اللحظة: “الموضوع زاد عن حده، وهو اصلاً طفل ومش فاهم حاجة!”
​فضلت باصة للشاشة ومش مصدقة الجحود، لحد ما اسم أختي “شيرين” ظهر على الشاشة بتصل.
​شيرين ما طلبتش مني أسامح أمي، أول كلمة قالتها كانت: “أنا ضحكت لأن أمي كانت باصة في عيني مباشرة، وكنت جبانة.. خفت أكون أول واحدة تبوظ القعدة وتعارضها.”
​وبعدين حكتلي اللي حصل بعد ما مشيت. ابن شيرين الصغير (٦ سنين) سألها بعد ما مشينا: “هي تيتة ليه هي اللي بتحدد مين العيال الحقيقيين ومين لأ؟ هو أنا لو عملت حاجة غلط ممكن تيتة تبطل تحبني هي كمان؟”
​شيرين ساعتها سحبت مفاتيح عربيتها وأخدت ابنها ومشت فوراً من العزومة.
​قالتلي: “عشان كده أمي هتتجنن وبتتصل بيكي.. هي عايزاكي تقولي للكل إنك أوفر وتصالحيها عشان باقي العيلة ترجع تتقابل عندها.”
​سألتها بقلب مقبوض: “هي أمي قالت الكلمة دي فجأة كده وليدة اللحظة؟”
​شيرين اتنهدت بصوت مكسور وقالت: “لأ.. قبل ما توصلوا، أمي جمعتنا وقالت إن محدش يتأخر أو يتدخل لما تعدل على زين أو تتكلم معاه.. وقالت إنك لازم تفهمي إن زين مش زي باقي العيال وماتتوقعيش مننا نعامله بنفس الطريقة.”
​معدتي اتعصرت من الصدمة.
الموضوع ما كانش دعابة سخيفة ولا حركة غير مقصودة.. أمي كانت مخططة لتهانة طفل عنده ٤ سنين، والكل كان موافق يظلمه عشان يرضي كبرياء أمي ويحافظ على راحة بالها!
​وفجأة، سمعت صوت خطوات صغيرة على أرضية الصالة.
​زين كان واقف في الممر ماسك بطانيته الصغيرة، وكان سامع صوت شيرين من التلفون.
​سألني ببراءة: “أنتم بتتكلموا عن تيتة؟”
​وطيت وجريت عليه، وطمنته إنه مش مجبور يرد على أي حاجة، بس سألته بشويش: “زين حبيبي.. هي تيتة كانت بتعامل مع كدا قبل كده؟”
​عينه راحت ناحية ورقة المطعم اللي حاططها جنبه، وودى وشه الناحية التانية وقال بصوت واطي بيترعش: “لما بتدخلي المطبخ أو تطلعي بره.. بتقولي استنى جوه وما تطلعش تاكل غير لما العيال الحقيقيين يخلصوا الأول.”
​شيرين كانت سامعة كل كلمة على التلفون.
​صوتها اتغير وفجأة قالتلي وهي بتعيط: “أنا شفتها بتعمل كده الشهر اللي فات.. وضحكت على نفسي وقلت أمي متشددة شوية مش أكثر..”
​سكتت لحظة وصوتها بيترعش أكتر وقالت: “بس في حاجة أسوأ من كده بكتير يا أختي.. أمي خلتنا نوعدها ونحلف إننا عمرنا ما نقولك عليها…”
سكتت أختي شيرين لحظات على التليفون، وصوتها كله دموع وخوف، وبعدين قالتلي السر اللي أمي خلتهم يحلفوا ما يقولوهوش:
​”أمي خلتنا نوعدها ونحلف إننا لو عايزين البيت يفضل هادي ونعدي دنيتنا، ما نفتحش بقنا خالص ولا نتكشف قدامك إنها بتعامل زين بطريقة مختلفة.. كانت عايزه الكل يسكت ويطنش!”
​إيديا كانت بتترعش من الغضب، وبصيت لزين وهو قاعد على الأرض لافف نفسه بلحاف الديناصورات.. طفل عنده ٤ سنين حس وفهم بالقسوة اللي الكبار اختاروا يعملوا نفسهم مش شايفينها! وده كان بيوجع أكتر بكتير من الكلمة اللي أمي قالتها في العزومة.
​تاني يوم الصبح، أخدت عربيتي وطلعت على بيت أمي في مدينة نصر. ما كنتش رايحة أزعق ولا أعمل مشكلة.. كنت رايحة أفهم، كنت محتاجة إجابات.
​أول ما فتحتلي الباب، كان شكلها مجهد وتعبان، وقالت بصوت مكسور: “أنا عارفة إنك زعلانة مني يا بنتي..”
​عديت من جنبها ودخلت الصالة.. عيني جت على صور العيلة الملتعقة على الحيطة.. صور أعياد الميلاد، والمصايف، واللمات.. بس لمحت حاجة غريبة أوي، حاجة عمرها ما لفتت انتباهي قبل كده:
كان فيه عشرات الصور لابن شيرين.. وفي المقابل، تقريباً مفيش ولا صورة لزين ابني!
​أمي لاحظت أنا بصة على إيه، فقالت بسرعة تحاول تبرر: “أصل ابن أختك أكبر وكان بييجي هنا أكتر وهو صغير..”
​رديت عليها بهدوء وثبات: “لأ يا أمي.. المشكلة مش مين أكبر.. المشكلة إن واحد فيهم اتأخد في الحضن، والتاني لات.”
​ملامحها اتغيرت تماماً، ولأول مرة ما لقتش حجج ولا كلام تدافع بيه عن نفسها.. قعدت على الكنبة وغطت وشها بإيديها وقالت: “أنا غلطت يا بنتي.. غلطت في حقكم.”
​فضلت ساكتة وبابصلها.. لأن الاعتذار من غير ما البني آدم يفهم غلطه بيبقى مجرد حيلة عشان يهرب من المسؤولية.
​رفعت رأسها وأخيراً قالت الحقيقة: “لما زين اتولد.. ما قدرتش أتقبل فكرة إنه مش الطفل اللي كنت متوقعة أو متخيلة شكله ورسمالُه صورة في خيالي.. أقنعت نفسي إني بتعامل بعفوية، بس أنا كنت بظلمه.. خلقت في دماغي فكرة إن فيه حفيد يتقرب منه وحفيد تاني غريب!”
​صوتها اتقطع وهي بتعيط كملت: “أنا كنت قاسية.. وكنت غلطانة.”
​قلتلها الكلمة اللي كانت محبوسة جوايا من زمان: “زين ما كانش محتاج منك تكوني تيتة مثالية يا أمي.. كان كل اللي محتاجه إنك تختاريه وتحبيه زي الباقيين بس.”
​انهارت في العياط.. مش عشان انكسفت قدام الناس ولا عشان العيلة عرفت، بس لأنها أخيراً استوعبت حجم الوجع والأذى اللي سببتهم لطفل بريء.
​بعدها بأسبوع، أمي اتصلت بيّا وطلبت تشوف زين. قلتلها بشرط واحد: “تكوني مستعدة تتعاملي معاه بنفس الحب والاحتضان اللي بتديه لأي حد تاني.. غير كده لأ.” ووافقت.
​لما دخلنا عندها البيت، زين كان ماسك في رجلي وخايف يقرب.. الأطفال بيفتكروا وما بينسوش معاملة الكبار أبداً.
​أمي ونزلت على ركبتها قدامه على الأرض.. ما فرضتش عليه حضن، ولا طلبت منه يسامحها بالعافية، بس قالتله بصوت مكسور: “أنا آسفة يا زين إن خليتك تحس إنك مش مهم.. أنت حفيدي وحبيبي، وكان لازم أخليكي تحس بالحب ده كل يوم.”
​زين بص لها لفترة طويلة ببراة، وبعدين فتح شنطته الصغيرة وطلع منها ديناصور بلاستيك صغير وقدمهولها وقال: “تيجي تلعبي معايا؟”
​أمي حطت إيدها على بقها والدموع نزلت من عينها.. عارفة إن الثقة محتاجة وقت عشان ترجع، بس دي كانت البداية الصحيحة.
​بعد كم شهر، جمعتنا عزومة شوي تانية في بيت أمي.. المرة دي، أمي طلعت بـ طبقين بطاطس محمرة كبار.. طبق لزين وطبق لابن شيرين، وحطتهم في نص الترابيزة وابتسمت وقالت قدام الكل: “الطباق دي لأحفادي الاثنين.. حبايب قلبي.”
​الكل سكت تماماً.. لأن الكل افتكر اليوم اللي اتخدمت فيه نفس البطاطس دي عشان تجرح طفل. بس اليوم ده اتحول لدرس عظيم.. تذكير إن العيلة مش هي اللي بتعمل نفسها ما بتغلطش، العيلة الحقيقية هي اللي عندها الشجاعة تعترف بالغلط وتتصلح وتبقى أحسن.
​مع الوقت، زين رجع يقولها “تيتة” تاني.. مش لأنه نسي اللي حصل، بس لأنها كانت بتعافر كل يوم عشان تكون فعلاً تستاهل اللقب ده.
​وأنا اتعلمت درس عمرى ما هنساه: الطفل مش محتاج عيلة كاملة مفيهاش أخطاء.. الطفل محتاج عيلة تختار الحب على الكبرياء، والحنية على القسوة، والشجاعة على السكوت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *