التلفون رن

التليفون رن وأنا قاعدة في اجتماع شغل.
رقم غريب ظهر على الشاشة.
رديت، وصوت راجل سألني:
“حضرتك نادية عبدالسلام؟”
قلتله:
“أيوه، مين؟”
قال:
“أنا أمين شرطة أحمد… بنت حضرتك سلمى عندها ست سنين، واتنقلت دلوقتي لمستشفى قريب من جنينة الطفل.”
حسيت الدنيا لفت بيا.
سألته بسرعة:
“سلمى مالها؟ حصلها إيه؟”
قال:
“هي مستقرة الحمد لله… بس لازم تيجي فورًا.”
كلمة “مستقرة” عمرها ما كانت مطمّنة بالنسبالي، خصوصًا لما تيجي بعدها كلمة “مستشفى”.
قفلت اللابتوب من غير حتى ما أستأذن، ونزلت أجري على عربيتي وأنا مش حاسة برجلي.
طول الطريق كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع بسيط.
يمكن وقعت.
يمكن خبطت نفسها.
يمكن اتخضت.
أي حاجة… إلا اللي كان عقلي بيرفض يتخيله.
لما وصلت المستشفى، لقيت بنتي نايمة على سرير صغير، تحت بطانية خفيفة.
وشها كان أحمر من الحر، وشعرها مبلول وملزق في جبينها، ونفسها سريع.
بصيتلها وحسيت قلبي اتقطع.
دي نفس البنت اللي من كام ساعة كنت بظبط لها شعرها، وبحط لها الساندوتش والعصير في شنطتها البنفسجي، وببوسها من جبينها وأنا بقول لها:
“خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وماتتعبيش خالتك.”
كنت فاكرة إني بسلّمها لأهلي.
ناس المفروض إنهم أكتر ناس في الدنيا يخافوا عليها.
قبل ما أروح الشغل، كنت اديت مفاتيح عربيتي لأختي هالة، لأنها كانت بتقولي إن عربيتها “بتعمل حركة غريبة ومش مطمنة”.
أبويا وأمي كانوا معاها.
وكان معاهم ولاد خالاتها.
قالولي:
“ماتقلقيش يا نادية، هنروح بيها جنينة الطفل ونرجع على الضهر.”
وصدقّتهم.
#انجي_الخطيب
يمكن دي كانت أكبر غلطة عملتها.
لأني طول عمري متعودة أسمع منهم إن أي حدود بحطها معناها إني أنانية.
لو قلت “لأ” أبقى معقدة.
لو سألت عن بنتي أبقى ببالغ.
لو اعترضت على حاجة يقولولي:
“إنتي حساسة زيادة عن اللزوم.”
بس المرة دي الموضوع ماكانش حساسية.
المرة دي بنتي كانت محبوسة لوحدها جوه عربية مقفولة في عز الحر.
دخل أمين الشرطة أحمد الأوضة، وبصلي وقال:
“إحنا لقينا سلمى جوه العربية لوحدها.”
بصيتله وأنا مش مستوعبة.
“إزاي يعني؟”
قال:
“العربية كانت متوقفة جنب مدخل جنينة الطفل، والأبواب كلها مقفولة.”
حسيت الدم نشف في عروقي.
“طب أختي فين؟”
رد بهدوء:
“دي النقطة اللي محتاج حضرتك تعرفيها.”
طلعت موبايلي واتصلت بهالة.
ردت بعد كام رنة.
وراها كان فيه صوت أغاني وضحك أطفال، وكوبايات بلاستيك بتخبط في بعضها.
صرخت فيها:
“إنتي فين؟! سلمى كانت فين؟!”
قالت بمنتهى البرود:
“هي كويسة يا نادية، بطلي تعملي فيلم كالعادة.”
قلت:
“إنتي سيبتي بنتي في العربية لوحدها؟!”
ضحكت وقالت:
“يا بنتي ما تكبريش الموضوع. هي كانت هتنام شوية.”
صوتي اتكسر وأنا بقول:
“هالة… دي عربية مقفولة! والجو نار!”
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت الجملة اللي مستحيل أنساها طول عمري:
“بصراحة؟ إحنا قضينا يوم حلو أوي من غيرها.”
قفلت في وشي.
فضلت واقفة ماسكة الموبايل وأنا مش مصدقة إن اللي بتتكلم دي أختي.
بعد حوالي ساعة، وصلت هالة ومعاها أمي وأبويا.
ولا واحدة فيهم جريت على سلمى.
ولا حتى هالة قالت “أنا آسفة”.
أمي بصتلي وقالت:
“إنتي السبب في كل اللي حصل. إنتي اللي سبتِ البنت ورايحة شغلك.”
بصيتلها بصدمة.
“أنا؟! أنا اديتها لأختي!”
أبويا اتدخل وقال:
“ما إنتي دايمًا مشغولة. الشغل عندك أهم من بنتك.”
هالة كانت واقفة ساكتة، وباصالي كأنها هي اللي مظلومة.
ساعتها فهمت إنهم مش جايين يعتذروا.
هم جايين يخلّوني أنا المذنبة.
قبل ما أرد، أمين الشرطة أحمد فتح الملف اللي في إيده.
وقال:
“قبل ما أي حد يكمل كلام… أنا محتاج الكل يسمع حاجة.”
هالة لأول مرة وشها اتغير.
أبويا بصله وقال:
“حاجة إيه؟”
الظابط طلع موبايله.
وقال:
“إحنا فتحنا محضر وتحقيق في واقعة تعريض طفلة للخطر، وفي تسجيل وصل لنا من كاميرا صوتية موجودة في المكان.”
هالة ابتلعت ريقها.
أمي قالت:
“يعني إيه تسجيل؟”
الظابط بص لهم واحد واحد.
وبعدين ضغط تشغيل.
الغرفة كلها سكتت.
ثواني بسيطة عدّت.
وبعدين خرج صوت هالة من الموبايل واضح جدًا.
وقالت:
“سيبوها… هي مش من العيلة النهارده. دي حمل عليكم.”
وش هالة اتجمّد.
أبويا بصلها.
وأمي حطت إيدها على بُقها.
أما أنا…
ففضلت واقفة مكاني، مش قادرة أصدق إن الصوت اللي سمعته كان صوت أختي.
لكن التسجيل ماكانش خلص.
وأمين الشرطة أحمد كان لسه عنده باقي الكلام.
لأن اللي اتقال بعد الجملة دي…
كان أخطر بكتير من كل اللي حصل قبلها.
#انجي_الخطيب
خرج صوت هالة من الموبايل مرة تانية، بس النبرة المرة دي كانت أبرد من التلج:
“اقفلي الإزاز للآخر يا ماما، مش عاوزين دوشة وتزن في ودانا.. سيبوها ساعتين تتطبخ جوه، عشان لما نادية تيجي تجري وتشوف بنتها بين الحياة والموت، تعرف إن فلوسها وشغلها واستقلالها مش هينفعوها، وترجع تحت طوعنا وتدفع القسط اللي رفضت تدفعه الأسبوع اللي فات وهي ساكتة.”
صوت أبويا جيه في التسجيل، مرعوب بس ساكت: “بس يا هالة.. البنت ممكن تروح فيها!”
ردت عليه هالة بمنتهى البشاعة: “مش هتروح ولا حاجة، هتدوخ شوية والحر يربيها هي وأمها، عشان نكسر مناخير نادية اللي فاكرة نفسها كبرت علينا.”
الثواني اللي بعد التسجيل كانت أصعب ثواني مرت عليا في حياتي.
الأوضة كان فيها صمت يقطع النفس.
أمي وشها اصفرّ وايديها كانت بترتعش، وأبويا بص للأرض وهو بيحاول يتلعثم: “دا.. دا كلام فارغ! التسجيل ده متفبرك! إحنا بني آدمين ومش ممكن نعمل كده!”
أمين الشرطة أحمد قفل الموبايل بهدوء، وبصلهم بنظرة كلها قرف وقال: “التسجيل ده من كاميرا مراقبة التقطت الصوت والصورة بوضوح جنب العربية، والنيابة العامة أحيطت علمًا بالواقعة.. إحنا مش قدام إهمال يا مدام نادية، إحنا قدام شروع في قت..ل وتعريض حياة طفلة للخطر مع سبق الإصرار.”
هالة ارتبكت، ولأول مرة أشوف الرعب في عينيها.
قربت مني ومسكت إيدي وهي بتعيط بصوت مزيف: “نادية! والله كنا بنهزر! كنا عاوزين نضايقك بس عشان طنشتينا الأسبوع اللي فات.. انتي عارفة إننا بنحب سلمى! هتسجني أختك وأهلك عشان ساعة طيش؟”
بصيت لإيدها وهي ماسكة إيدي.. نفس الإيد اللي قفلت الإزاز على بنتي في عز النار.
نفضت إيدها بقوة خلّتها ترجع لورا.
أتكلمت بصوت هادي، هادي لدرجة أرعبتهم هم نفسهم.. صوت أم أدركت إن كل الحدود اللي كانت بتتكسر زمان، كانت مجرد تمهيد للجر..يمة دي.
“انتي مش أختي.. وأنتوا مش أهلي. أنتم أخطر ناس على حياتي وحياة بنتي.”
أمي صرخت فيا: “يا جاحدة! هتودي أختك وأبوكي النيابة؟ عشان شوية حر؟ البنت عايشة وأهو زي الفل!”
بصيت لأمي في عينيها مباشرة، ولأول مرة في حياتي ما حسيتش بالذنب، ما حسيتش بإني أنانية، وما همتنيش جملتهم الشهيرة “إنتي حساسة زيادة”.
التفت لأمين الشرطة أحمد وقلتله بنفس الثبات: “حضرتك سجل كل كلمة في المحضر، أنا بطلب اتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضدهم، ومش هتنازل عن حق بنتي.. حتى لو كان الثمن إني أقطع كل خيط بيجمعني بيكم لحد آخر يوم في عمري.”
أمين الشرطة ندى العساكر اللي كانوا بره: “خدوهم على البوكس لعدم التأثير على سير التحقيق.”
صرخات هالة وتوسلات أمي وعياط أبويا وهو بيقول “فضحتينًا يا نادية” كان بيبعد بالتدريج في الطابق، لحد ما اختفى تمامًا.
ساعتها بس، مشيت بخطوات بطيئة ناحية سرير سلمى.
قعدت جنبها، مسكت إيدها الصغيرة الدافية، وبست جبينها.
سلمى فتحت عينيها بالراحة، وبصتلي بابتسامة مجهدة وقالت بصوت ضعيف: “ماما.. أنا كنت خايفة أوي، بس عارفة إنك هتيجي.”
دمعة واحدة نزلت من عيني، بس المرة دي ما كانتش دمعة ضعف.. كانت دمعة نهاية كابوس، وبداية حياة جديدة مش هسمح فيها لأي حد، مهما كانت درجة قرابته، إنه يمس شعرة واحدة من بنتي.
الدكتور دخل الأوضة بهدوء، قرب من سرير سلمى وشاف الأجهزة الموصلة بيها، وابتسم ابتسامة خفيفة مطمنة وهو بصلي وقال:
“الحمد لله، الحرارة بدأت تنزل ونسبة الأوكسجين رجعت طبيعية.. شوية محاليل كمان وساعة زمن وتترخصوا وتروحوا. ربنا كتبلها عمر جديد يا مدام نادية، ضربة الشمس كانت شديدة بس جسمها استجاب للعلاج بسرعة.”
مسحت دمعتي وهزيت رأسي وأنا بحضن إيد سلمى الصغيرة:
“شكراً يا دكتور.. أهم حاجة مش عاوزاها تحس بأي خوف أو تفتكر اللي حصل.”
“متخافيش، الأطفال قدرتها على التعافي مدهشة.. المهم الأمان، وده واضح إنها حاساه طول ما إنتي جنبها.”
خرج الدكتور، وساد الأوضة هدوء غريب.. هدوء أول مرة أحس بيه من سنين. مفيش زن، مفيش اتهامات، ومفيش إحساس بالذنب المفروض عليا بالعافية عشان أرضي ناس عمرهم ما خافوا عليا ولا على بنتي.
فجأة، الموبايل اهتز في إيدي.. كان رقم خالي.
رديت ببرود: “أيوه يا خالو.”
جاي صوته منفعل وبيتكلم بسرعة وبعصبية:
“إيه اللي عملتيه ده يا نادية؟! أختك وأبوكي وأمك في النيابة؟ انتي اتجننتِ؟ عاوزة تفضحي العيلة وتودي أهلك في داهية؟ انزلي حالاً طلعي تنازل عن المحضر!”
غمضت عيني، واتنفست ببطء. الصوت اللي كان زمان بيخليني أترعش وأحس إني مقصرة، النهاردة بقى ملوش أي أثر جوايا.
رديت بصوت هادي، بس قاطع وزي السيف:
“اللي ساب طفلة عندها ست سنين تموت جوه عربية مقفولة عشان يكسرني، ده مكانه الطبيعي السجن.. والباب اللي كان بيني وبينكم اتقفل للأبد، ومفيش قوة في الدنيا هتخليني أتنازل عن حقي وحق بنتي.”
قبل ما ينطق كلمة ثانية، قفلت السكة، وعملت حظر لرقمه.. وبعدها قفلت الموبايل خالص ورميته في الشنطة.
بعد ساعة، كانت سلمى قامت وقدرت تقف على رجليها. شيلتها بين إيديا، وحطيت راسها على كتفي.. خرجنا من باب المستشفى والشمس كانت بتبدأ تغرب، والهواء البارد خبط في وشنا.
ولأول مرة في حياتي، حسيت إني بتنفس بحرية.
وأنا بفتح باب عربيتي عشان أركّب سلمى، أدركت إن الحصان اللي بيجري عشان يرضي الناس وقع خلاص.. ومن النهاردة، إحنا بتبدأ حياتنا الحقيقية، لوحدنا، ومن غير أي خوف.
ركبت سلمى في الكرسي الوراني، ربطت لها حزام الأمان بالراحة، وبصيت في عينيها. كانت ابتسامتها بدأت ترجع تدريجيًا، وبشرتها دافية ومفيش أي أثر للحرارة الشديدة اللي كانت بتاكل في جسمها من كام ساعة.
“ماما.. إحنا رايحين فين؟ مش هنرجع عند تيتة؟”
سؤالها نزل على قلبي زي المية الباردة، بس المرة دي ما اترددتش ثانية واحدة. ابتسمت لها وقلت:
“لا يا حبيبتي، إحنا رايحين بيتنا.. بيتنا الصغير اللي فيه أنا وإنتي وبس. ومفيش أي حد تاني هيقدر يدخله إلا بإذننا.”
سكتت سلمى وهزت رأسها برضا، وقبل ما نوصل للبيت كانت نامت في هدوء تام.
أول ما دخلنا الشقة، قفلت الباب بالمفتاح.. ولأول مرة حسيت إن الأكرة لما تتلف بتتقفل على كل السنين اللي فاتت؛ كل ابتزاز عاطفي، كل كلمة “إنتي أنانية”، وكل تنازل عملته على حساب نفسي وصحتي وكرامتي عشان أرضي ناس ما بيكفيهم شيء.
نيمت سلمى في سريرها، غطيتها، وخرجت وقفت في الصالة. الشقة كانت هادية، مفيش صوت صراخ، مفيش نقد، مفيش نظرات اتهام.. كان فيه بس أمان صافي.
تاني يوم الصبح، رن جرس الباب. فتحت ولقيت أمين الشرطة أحمد واقف، ومعاه أوراق رسمية ومحضر استدعاء.
“صباح الخير يا مدام نادية.. وكيل النيابة طالب حضورك دلوقتي فورًا عشان الاستماع لأقوالك وتفريغ التسجيلات بشكل رسمي، والمتهمين محبوسين احتياطيًا على ذمة التحقيق.”
لبست بسرعة وركبت عربيتي ووراه لحد سرايا النيابة.
لما دخلت الطرقات، لقيت باقي العيلة ملمومين بره الأوضة.. أول ما شافوني، قاموا كلهم في نفس اللحظة وجريوا عليا.
خالتي مسكت إيدي بدموع وهي بتوشوش بلهفة: “يا نادية اعقلي! هالة أختك مستقبلا هيضيع! وأبوكي صحته مش مستحملة الحجز! انزلي تنازلي وحليها معانا جوة العيلة!”
بصيت لها ونظرتي كانت فارغة تمامًا من أي مشاعر.. ما بقاش جوايا خيط واحد يربطني بيهم.
قلت بصوت واطي ومسموع للكل: “اللي ما خافش على طفلة عندها ست سنين وهي بتتخنق جوه عربية مقفولة في النار، ما يستاهلش إن حد يخاف على مستقبله ولا صحته.”
دخلت لـ وكيل النيابة، قعدت بثبات كامل لمسته في نفسي لأول مرة. سردت كل حاجة بالدقيقة والتاريخ، وسلمت تفريغ الكاميرات والتسجيلات.
وكيل النيابة هَز رأسه وهو بيراجع الورق، وقال بحسم: “الأدلة قاطعة يا مدام، والجري..مة هنا مكتملة الأركان.. تعريض حياة طفلة للخطر الشديد والشروع في الإيذاء العمد.”
وأنا خارجة من المكتب، لمحتم وهم طالعين بالكلابشات عشان يتنقلوا للتجديد.. هالة بصتلي بنظرة انكسار ورعب لأول مرة في حياتها، وأمي كانت بتعيط بقلة حيلة.
ما بصيتش ورايا، كملت خطوتي بثبات ناحية باب الخروج.
الشمس كانت ساطعة بره، وفي قلبي كان فيه يقين واحد.. إن الأمومة مش بس إنك تخلفي، الأمومة هي إنك تبقي السور اللي يحمي ابنك، حتى لو السور ده هيقف ضد كل الدنيا.

