التوأم

ولما طارق فتح الباب.. ملقاناش هناك.

طارق فتح باب الشقة وهو جارب وراه الشنطة السودة، مبسوط وراجع بروايح أوروبا وضحك الشلة، متوقع يدخل يلاقيني قاعدة على الكنبة بهلاتي وسوادي، شايلة عيل وبعيط، والبيت مقلوب.

بس البيت كان ساكت تماماً.

الهدوء كان مرعب.. مفيش صوت زنة ببرونة، ولا صريخ ياسين، ولا صوت التلفزيون اللي شغال عشان يسليني وأنا صاحية الفجر. الشقة كانت متستفة ونظيفة زيادة عن اللزوم، الشفاط مقفول، والأغراض الخاصة بالولاد مختفية من الصالة: العربية المزدوجة مش جنب الباب، اللعب، البامبرز، وحتى كفر الكنبة اللي كان سيف بيقشط عليه.

مشى بخطوات بطيئة ناحية أكرة غرفة النوم، فتحها.. الملاية مفروشة ومشدودة، ودولاب الأطفال فاضي تماماً. دخل المطبخ، ملقاش ببرونة واحدة في الصفاية.

هنا بدأ يستوعب إن الهدوء ده مش راحة.. ده فراغ.

جرى على السفرة، ولقى الدوسيه الأسود المقفول. جنب الدوسيه كان في المفتاح بتاعه اللي سيبته، والورقة الصغيره اللي كتبت فيها جملتي. مسك الورقة وإيده بتترعش، قراها مرتين كأنه مش فاهم المعنى. وبعدها فتح الدوسيه.

الدوسيه مكنش فيه عتاب، ولا شتم، ولا دموع. كان فيه “حقائق” محطوطة بالمسطرة:

* الأوراق القانونية: إعلان بدعوى نفقة زوجية ونفقة صغار (بنادلة ولابسة)، ودعوى تمكين من مسكن الزوجية لأن معايا أطفال رضع، وعريضة دعوى طلاق للضرر بسبب الإساءة والهجر أثناء فترة النفاس.

* كشف الحسابات: طباعة ملونة لكل مصروفاته في إسبانيا وإيطاليا، مقارنة بفواتير المستشفى واللبن الصناعي والكشوفات اللي أنا دفعتها من حسابي الشخصي.

* الرسائل والمكالمات: تفريغ كامل لكل فويس نوت قاللي فيها “أنتِ بتهولي”، ولكل صورة نزلها وهو بيسهر في أوروبا وأنا قاعدة بعاني مع عيلين مبتسرين.

طارق مسك الموبايل واتصل بيّا. الموبايل رن.. بس أنا مكنتش برد. بعت رسايل ورا بعض:

“ندى أنتِ فين؟”

“إيه الجنان ده؟ أنتِ بتخربي بيتنا عشان سافرت أسبوعين؟”

“ردي عليا، الولاد فين؟”

سيبت الموبايل يرن لحد ما طفت الشاشة. كنت وقتها قاعدة في صالة الشقة الجديدة في الشروق، مريم أختي كانت بتعملي شاي دافي، وأمي قاعدة على الكنبة ماسكة سيف وياسين، والبيت ريحته بخور وهدوء. لأول مرة من شهور، كنت حاسة إن صدري فيه هوا بجد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *