مظلومه

مسك إيدي آسر وشدني لبرة المطبخ بالراحة بس بثبات، وأنا ماشية وراه مش مصدقة نفسي، حاسة إن رجليا مش شايلاني، ومريلة المطبخ المبلولة لسه مربوطة على وسطي. الشقة كلها كانت ساكتة سكون يرعب، مفيش غير صوت نفس أبويا العالي وهو حاسس إن السقف بيبقع فوق دماغه.

​أمي سوسن جرت ورانا، وشها كان أصفر زي الليمونة وشفتها بترتعش:

ـ يا آسر بيه استهدى بالله بس! دا البيت بيتك، والخير كتير، اتفضل استريح على السفرة ونورنا! هبة دي بنتنا الحبيبة، إحنا بس كنا… يعني هي اللي أصرت تخش المطبخ عشان تعملك الأحسن!

لف آسر نص لفة، وبص لها بصلة سردت شعر جسمي كل أبوه، وقال بصوت واطي بس يرعب:

ـ أصرت؟ يعني هي أصرت تلبس المريلة دي، وتقف تغسل الأطباق والحلل لساعتين، وأنتم قاعدين جوة بتضحكوا وتاكلوا البط المحمر؟

​أبويا قرب وهو بيفرك في إيده، وعينيه رايحة جاية على شنطة الجلد اللي في إيد آسر، الشنطة اللي فيها ورق عقد الشراكة اللي هيحيي شركته الميتة:روايات_مشيره_محمد

ـ يا باشا افهمنا بس، هبة أصلها… يعني طبيعتها انطوائية شوية، وبتحب المساعدة، مش كده يا هبة؟ قولي لأستاذ آسر!

بصلي أبويا ببريق تهديد مكتوم في عينيه، البريق اللي كنت بأترعب منه طول عمرِي وأسكت. بس آسر عصر على إيدي بشويش، حرارة إيده حسستني لأول مرة في حياتي إن عندي ضهر أتسند عليه.

​رفعت رأسي وبصيت لأبويا في عينيه وبصيت لأمي، وقلت بصوت علّيته لأول مرة في البيت ده:

ـ لأ يا بابا.. أنا مقلتش عاوزة أقف في المطبخ. ماما هي اللي قالتلي تقعدي جوة المطبخ وما تخرجيش تبوزي في وش الناس، وخليكي نافعة بدال قعدتك دي!

​شاهيناز أختي قامت من على الكرسي، وجت تطبطب عليا بحنية مزيفة وهي بتبص لآسر بابتسامة صفرا:

ـ يا هبوش يا حبيبتي، بقى بتزعلي من ماما؟ دا كلام عتاب بين الأهل! وبعدين يا آسر بيه حضرتك تنورنا، إحنا أصلًا كنا متفاجئين، هبة عمورها ما قالت إنها تعرف حد بقامتك كده! دا أنت آسر الألفي بشحمه ولحمه!

​رد آسر وهو بيسحب منديل قماش من جيبه وبيمسح بيه بقايا الصابون اللي كانت على إيدي بمنتهى الهدوء:

ـ ومش هتقول.. عشان هي عارفة إن النعمة لما بتترمى للناس اللي ما بتقدّرهاش، بياكلوها ويرمو عظمها. وأنتم أكلتم حقها سنين.

​مدحت أخويا اتنحنح، وحاول يعمل فيها الراجل الفاهم، قرب بثقة وقال:

ـ يا آسر بيه، أهلاً بيك في بيتك، أنا مدحت الجوهري، المدي المباشر للشركة. طبعاً حضرتك جاي عشان صفقة الحديد الجديدة، نورتنا والله! وهبة اختنا الصغيرة وعلى راسنا من فوق، اتفضل اشرب حاجة ونقعد نتكلم في الشغل!

​آسر بص لمدحت من فوق لتحت، نظرة تقليل تخلي أي راجل يتمنى الأرض تتشق وتبلعه، وقال:

ـ أنت مدحت؟ مدحت اللي أبوه أخد فلوس شقا أخته ودمها عشان يغطي على البلاوي والمصايب اللي هببتها في الشركة من سنتين؟

​مدحت وشه جاب ألوان، وشه بقى أحمر زي الطماطم وابتسامته اختفت:

ـ إيه؟ مين قال الكلام ده؟! دا كلام فارغ! هبة هي اللي…

قاطعه آسر بصوت زي الرعد خلى الكل يتنفض:

ـ كلمة زيادة وهتلاقيك بتبيت الليلة دي في النيابة. الملف المالي بتاع شركة أبوك كله تحت إيدي من أسبوعين، وعارف السنتيم المكسور رايح فين وجاي منين، وعارف مين اللي سرق ومين اللي شال الشيلة!

​أمي سوسن حطت إيدها على قلبها وصوتت بصوت واطي:

ـ يا لهوي! نيابة إيه يا بيه؟ استهدى بالله، دا إحنا أهل!روايات_مشيره_محمد

آسر سحبني وراه خطوتين ناحية الباب، وقال وهو بيبص لأبويا رجب:

ـ الأهل ما بيجوعوش ابنهم ويطعموا الباقيين. الأهل ما بيستعبدوش بنتهم عشان يلموا قرف ابنهم الفاشل. رجب بيه.. عقد الشراكة اللي بأربعين مليون جنيه؟ بلّه واشرب ميته.

​أبويا اترجى بصوت مكسور وشبه هيعيط، مسك في دراع آسر:

ـ لا يا آسر بيه! وحياة أغلى حاجة عندك! الشركة هتفلس! البيوت هتتخرب! أنا عليا ديون وشيكات لو الملايين دي مدخلتش الحساب الأسبوع ده هتحبس! عشان خاطر هبة! مش هي خطيبتك؟ عشان خاطرها انسى أي خلاف!

​آسر وقف عند باب الشقة، ولفلي وبص في عينيا:

ـ القول قولك يا هبة. أنتِ عاوزاني أوقع العقد ده مع أبوكِ؟

​البيت كله سكت. العيون كلها اتوجهت عليا.

أمي بتبصلي بعينين فيها رجاء ومسكنة أول مرة أشوفهم، بعد ما كانت طول عمرها بتبصلي بقرف.

أبويا أيديه بترتعش وشكل راجل هيموت من الخوف.

شاهيناز واقفة بتبصلي بغيرة وحقد مكتوم.

ومدحت باصص للأرض ووشه متجمد.

​سنين من القهر والمرار فاتوا قدام عينيا في ثانية.

سنين وأنا بتعب وأشقى وأسمع كلام يكسر النفس.

سنين وأنا بحس إني غريبة في البيت ده، باكل الفضلات وبنام وأنا بعيط.

​فكيت مريلة المطبخ المبلولة بالصابون بالراحة من على وسطي.

مسكتها في إيدي، وبصيت لأمي ولأبويا.

ورميت المريلة على سفرة البط والأكل الغالي اللي حرموني أقعد عليه.

​وقلت بصوت ثابت ومفيش فيه نقطة تردد:

ـ العقد ده مش هيتوقع يا آسر. اللي ما اتقاش ربنا في بنته، مش هيتقي ربنا في أموال الناس.

​أبويا صرخ:

ـ يا بت الحرام! بقى تضيعي تعب عمري عشان حقدك وغلّك؟!

آسر قرب من أبويا خطوة واحدة، وطوله وهيبته خلت أبويا يرجع لورا لحد ما خبط في الحيطة:

ـ إياك صوتك يعلى عليها. خطوة واحدة كمان أو كلمة زيادة، وهخليك تطلع من بيتك ده شحات ومش حيلتك ملليم.

​آسر مسك إيدي جامد، وفتح باب الشقة.

ونزلنا السلم وأنا سامعة صريخ أمي برة وزعيق أبويا وهو بيشتم في مدحت وبيحمله المسؤولية.

​أول ما خرجنا الشارع، الهواء البارد خبط في وشي.

المطر كان بينزل بشويش، والعربيات المركونة بتلمع تحت نور الفوانيس.

سحبني آسر ناحية عربية سودة ضخمة، السواق فتح الباب بسرعة وأول ما دخلنا وقفل الباب، الدفا والهدوء لفوا المكان.

​قعدت على الكرسي وأنا بحاول أستوعب.

دمعة نزلت من عينيا غصب عني.

آسر طالع من جيبه علبة مناديل، واداني منديل وبصلي بحنية عمر ما حد بصلي بيها:

ـ بتعيطي ليه يا هبة؟ زعلانة عشان سبتيهم؟

​هزيت رأسي بنفي، ومسحت دموعي بسرعة:

ـ لأ.. مش زعلانة عليهم. أنا زعلانة على السنين اللي ضاعت من عمري وأنا فاكرة إن العيب فيا. زعلانة إن إنت راجل غريب، وقفت جنبي وجبتلي حقي، وأقرب الناس ليا هما اللي ذبحوني.

​ابتسم آسر ابتسامة هادية وقال:

ـ أنا مش غريب يا هبة.

بصيتله باستغراب:

ـ يعني إيه؟ إنت تعرفني منين اصلاً؟ وأنا لحد دلوقتي مش فاهمة إنت جيت إزاي، وليك عين تعرف كل تفاصيل حياتي وبلاوي مدحت أخويا؟!

​آسر سند ظهره لورا وبصلي بثقة:

ـ فاكرة المكتبة الصغيرة اللي كنتِ شغال فيها دوام مسائي من سنة؟ المكتبة اللي في وسط البلد؟

ـ اه.. مكتبة عم حسني. كنت بشتغل فيها وردية بالليل عشان أجمع فلوس ديون أبويا.

ـ تمام. أنا كنت بجي أقعد في التربيزة اللي في الزاوية، أقرأ ملفات وأشرب قهوة. كنت بشوفك وتعبك، بشوف بنت بتدرس وتشتغل شغلانتين، ومع ذلك مبتفارقش وشها الابتسامة رغم الهالات اللي تحت عينيها.

سكت شوية وربت على إيدي:

ـ عرفت قصة الخمسين ألف جنيه من عم حسني بالصدفة لما سألته عنك، وهو اللي حكالي قد إيه أنتِ مظلومة وبتدفعي ثمن غلطة غيرك. من يومها وأنا برقبك من بعيد، ولما أبوك جه شركتي يقدم على شراكة، وقريت اسم “رجب الجوهري”، ربطت الأحداث ببعضها، وقررت إن اليوم ده لازم يجي.. اليوم اللي تاخدي فيه حقك وتطلعي من السجن ده.

​كنت بسبعه وأنا مبهورة، مش مصدقة إن فيه حد كان شايفني ومقدرني في الوقت اللي كنت فيه بالنسبة لأهلي مجرد خدامة.

ـ بس إنت ق/تلت أبويا.. العقد ده كان أمله الأخير.

رد آسر ببرود:

ـ أبوكِ كان لازم يفوق. والشركة مش هتفلس ولا حاجة، أنا هشتري أصولها، بس بشرط واحد.. الشركة هتتكتب باسمك أنتِ يا هبة. مدحت وأبوكِ مش هيدخلوا الشارع، هيديهم مرتبات شهرية تعيشهم مستورين، بس التحكم والسيادة هتبقى ليكي أنتِ.

​بصيتله وأنا مش مصدقة:روايات_مشيره_محمد

ـ ليا أنا؟! بس أنا معرفش أدير شركة صلب وزجاج!

ـ هتعرفي.. أنا هعلمك. أنتِ أذكياء وأقوى مما تتخيلي. أنتِ بس كنتِ محبوسة في القفص.

​العربية وقفت قدام عمارة شيك جداً في منطقة راقية.

فتح السواق الباب، ونزلنا.

رفع آسر عينه للشقة اللي فوق وقال:

ـ دي شقتك الجديدة. أمان، وفيها كل اللي تحتاجيه. ومش هتترجي حد تاني في حياتك.

​بصيت لآسر بعينين مليانة امتنان، وقلت له بصوت طالع بالعافية من التأثر:

ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا آسر.. إنت أنقذتني في الوقت اللي كنت حاسة فيه إن حياتي ملهاش أي قيمة.

​آسر قرب مني، وبصلي بثبات وقال:

ـ أنا مانقذتكِش يا هبة.. أنتِ اللي أنقذتي نفسكِ لما رميتي المريلة وقفلتي الباب في وشهم. أنا بس كنت الباب اللي خرجتِ منه.

​ومن الليلة دي، حياتي اتغيرت تماماً.

البنت اللي كانت بتقعد جنب الزبالة في عزومات العيلة، بقت هي اللي بتمتلك الشركة، وبقت واقفة على رجلها بثقة، جمب الراجل اللي عرف قيمتها من أول لحظة.

تمت مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *