اتنكر في شكل غلبان

20 سنة.
20 سنة ما اتقابلناش…
ومع ذلك، ولا مرة سألني:
“معاك فلوس؟”
لما قلتله إني خسرت شغلي ومحتاج مكان أنام فيه كام يوم، ما اترددش لحظة.
قاللي:
— إحنا أهل يا حسن. البيت صغير، بس مكانك موجود.
طلعت مراته منى من المطبخ.
بصت على هدومي المتبهدلة، والشنطة القديمة، والشبشب المقطوع.
سكتت ثواني…
وبعدين ابتسمت وقالت:
— يا عم حسن، أكيد تعبان. اقعد وأنا أحضرلك حاجة تاكلها.
العشا كان بسيط جدًا.
رز، بيض، وشوية سمك مقلي.
لكن وأنا باكل، لاحظت حاجة غريبة.
لما السمك خلص تقريبًا، محمود ما أخدش لنفسه.
بالعكس…
حط آخر قطعة سمك في طبقي.
بصيتله وقلت:
— إنت مش هتاكل؟
ضحك وقال:
— أنا شبعت.
لكن أنا عرفت إنه بيكدب.
ومقولتش حاجة.
—
اليوم التاني
صحيت بدري، ولقيت محمود خارج على شغله في موقع بناء.
وقبل ما يخرج، حط في إيدي ظرف صغير.
— خد ده يا حسن، لو محتاج تجيب دوا أو أي حاجة.
بصيتله باستغراب.
— أنا تعبان؟
ضحك وهو بيحك رقبته:
— لا يا عم، يمكن تحتاج مواصلات أو أكل.
مرضيتش آخده.
لكن بالليل، وأنا في الأوضة، سمعت صوته بيتكلم مع منى.
قالتله:
— المرتب بتاعك ما فضلش منه كتير.
رد عليها:
— عادي.
— طب ومصاريف مدرسة سارة؟
— هستلف.
— والإيجار؟
— هنتصرف.
سكتت منى شوية، وبعدين سألت:
— طب ولو حسن قعد عندنا فترة طويلة؟
فضل محمود ساكت كام ثانية.
وبعدين قال:
— مش هسيبه. حتى لو اضطريت أقلل أكلي، هعمل كده.
حطيت إيدي على بقي عشان محدش يسمعني.
لكن دموعي نزلت لوحدها.
أول مرة أعيط من سنين.
هما ما يعرفوش إن الفلوس اللي محمود بيحوش منها تمن الأكل، أنا ممكن أدفعها من غير ما أحس.
ما يعرفوش إن تمن البيت اللي هما عايشين فيه بالنسبة لي مش أكتر من مبلغ بسيط جدًا.
وما يعرفوش إن الراجل اللي بيحاولوا يطعموه ويحموه…
مش راجل غلبان أصلًا.
أنا واحد من أغنى رجال الأعمال اللي يعرفوهم.
لكن الحقيقة إني كنت بدور على حاجة أغلى من الفلوس كلها:
كنت بدور على سبب يخليني أصدق إن لسه فيه أهل بجد.
لكن اللي حصل في الليلة التالتة…
غير كل خططي.
—
كانت الساعة حوالي 10 بالليل، لما سمعنا خبط جامد على الباب.
محمود قام وفتح.
كان واقف قدام الباب راجلين لابسين هدوم رسمية.
واحد منهم قال:
— الأستاذ محمود؟
— أيوه.
طلع الراجل ورق من ملف في إيده وقال:
— عليك مديونية للشركة بتاعتنا بقالها 3 شهور، ومادفعتش.


