الشارع كان زحمه

الشارع كان زحمة، كلاكيت العربيات وصوت الباعة الجائلين في الميدان مكنش واصل لودن فوزية. هي كانت ماشية والأسفلت تحت رجليها بيغلي، مش من شمس يونيو، لكن من النار اللي قادت في عروقها. الدوسيه الأزرق تحت ذراعها كان تقيل، تقيل لدرجة إنها حاسة إنه هيدّق ضلوعها.

وصلت العمارة القديمة في وسط البلد. أسانسير خشب من بتوع زمان، طالع ببطء وسيرسرة كأنه بيعد ثواني عمرها اللي ضاع. وقفت قدام الباب اللي عليه يافطة نحاس مطفية: “الأستاذ رأفت الصاوي.. المحامي بالنقض”. خبطت، وفتح لها السكرتير العجوز اللي عرفها من ملامح وشها؛ ملامح أبوها الله يرحمه كانت مطبوعة في عينيها.

دخلت المكتب. الأستاذ رأفت كان راجل سبعيني، هيبة، بنظارة ببرواز أسود وشعر شايب زي القطن. أول ما شافها، قلع نظارته وقام وقف:

“فوزية بنتي؟ عاش من شافك يا بنتي. بس مالي وشك مخطوف كده ليه؟”

فوزية مقدرتش تتكلم. حطت الدوسيه الأزرق على المكتب، وقعدت على الكرسي الجلد وهي حاسة إن ركبها مش شايلاها. النفس كان بيطلع بطلوع الروح.

“مصطفى يا متر.. مصطفى طلع تعبان.. كان هيبيعني ويطلقني وياخد شقة أبويا”.

الأستاذ رأفت ملمش الصدمة على وشه، ملامحه هديت بطريقة مرعبة، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. سحب الدوسيه الأزرق، طبطب عليه، وبص لها بنظرة فيها حزن على شفقة:

“أبوكي الله يرحمه.. الحج عبد الحميد، كان قاري المشهد من أول يوم يا فوزية. لما جالي قبل وفاته بست شهور، قالي يا رأفت، الواد مصطفى ده عينه مش على بنتي، ده عينه على شقايا وشقا أمها. قالي إنه لقط له كذا حوار وكذا كذبة في الفلوس، بس مأحبش يكسر قلبك وأنتي في أول الجواز ومبهورة بالحب”.

فوزية فتحت بقها بذهول:

“يعني أبويا كان عارف؟ وعشان كده ساب الورقة دي؟”

الأستاذ رأفت فتح الدوسيه، طلع منه ورق رسمي مختوم بختم النسر، وعقود قديمة، وتقرير بنكي.

“أبوكي مسابش الورقة دي وبس يا فوزية. أبوكي عمل حماية قانونية للشقة دي تخلي مصطفى لو حاول يلمس حيطة منها، يتسجن.. بس الصدمة مش هنا. الصدمة في اللي أبوكي اكتشفه عن مصطفى وعيلته ومحبش يقولهولك عشان ميموتش بالقهوة وهو شايف بنته الوحيدة مكسورة”.

رأفت سحب ورقة من قاع الدوسيه، ورقة جاية من مصلحة الشهر العقاري وسجلات الأحوال المدنية، وحطها قدام فوزية:

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *