جمر تحت الرماد

أمي كانت جاية تزورني وهي متوقعة قعدة ريفية حلوة وغدا فلاحي في المزرعة، بس اتسمرت مكانها عند باب عشة الفراخ لما شافتني حافية، ومتبهدلة طين، وبأكل الفراخ من طبق مكسور. “جوزك فين؟” همست بالكلمة دي، وفي نفس اللحظة ظهر “شريف” من وراها ببدلته الكحلي الشيك، وقال بابتسامة مستفزة: “هي مكانها هنا.. مطرح ما بتعرف تخدم وتكون مفيدة.”
لتلات ثواني كاملة، أمي منطقتش بحرف.
وده أكتر حاجة رعبتني.
“إجلال الهواري” هي اللي ربتني بإيدين حنينة، وأخلاق راقية، وبقوة جبل مايتهدش. مكنتش من الستات اللي بتصوت لما تتخان، ولا بتمد إيدها.. هي بس كانت بتبص للشخص وكأنها بترسم وتخطط لطريقة نهايته.
عينيا جت على فستاني المقطوع، وركبي اللي مليانة طين، والخدوش اللي في إيدي من سلك السور اللي كنت بصلحه، والطبق الألومنيوم القديم اللي في إيدي.
بعدين لفت وبصت لشريف.
وقالت بصوت هادي وقاتل: “يبقى الليلة.. هيخسر كل حاجة يملكها، وهيضوق طعم الانتقام بجد.”
#حكايات_شروق_خالد
شريف ضحك.
ضحكة قصيرة ومستهزئة.
“سامعة يا ليلى؟” قالها وهو بيبصلي: “أمك لسه فاكرة نفسها قاعدة في مجلس إدارة شركتها.”
وطيت عيني في الأرض عشان ده اللي كان شريف بيحبه. الست الهادية. المطيعة. اللي ملهاش لازمة غير إنها تطبخ، وتنظف، وتبتسم جمبه في الصور عشان شكل “مزرعة العيلة” بتاعته يبان مثالي قدام المستثمرين.
لما اتجوزته، المكان ده كان حلمي. البيت الأبيض، وشجر التفاح، والزرع، والشمس اللي مالية الأرض. الفلوس اللي سابها لي أبويا الله يرحمه هي اللي اشترت الأرض دي، بس شريف صمم إنه هو اللي يدير كل حاجة عشان “بيفهم في البيزنس أكتر من النسوان وأفكارهم الحالمة”.
في الأول، كان بيعدل عليا قدام الناس بس. بعدين حط إيده على الحسابات كلها. بعدين مفاتيح عربيتي اختفت. بعدين موبايلي “اتكسر”. ولما رفضت أمضي له على التنازل عن باقي أسهمي في الأرض، نقلني من البيت الكبير وقعدني في بيت الخدم، وقال للشغالين إني “تعبانة نفسيًا وعقليًا”.
عشة الفراخ دي كانت عقابي.
بس شريف غلط غلطة عمره.
نسي إني أنا اللي بنيت المزرعة دي بإيدي قبل ما يجي هو ويحولها لمسرح تمثيل.
ورا صناديق البيض، وتحت لوح خشب مخلوع، كنت مخبية موبايلي القديم، وصور من تحويلات البنك، ونسخ من توقيعاته المزورة، وتسجيلات لكل تهديد قاله افتكر إن الفراخ مش هتفهمه.
أمي لمست إيدي من ورا الخشب.
معيطتش.
ولا أنا كمان عيطت.
أمي بصت لشريف وسألته: “العشا الساعة سبعة؟”
شريف عدل كمام قميصه وقال: “عشا عمل مع مستثمرين كبار.. ياريت بلاش فضايح.”
أمي ابتسمت.
وقالت ببرود: “عيب.. الفضايح دي إنت عملتها وخلصتها خلاص.”
#حكايات_شروق_خالد

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *