جمر تحت الرماد

الساعة جت سبعة بالليل. المزرعة كانت قيدت أنوارها، والترابيزات اتفرشت في الجنينة الكبيرة قدام البيت، وأكبر مستثمرين ورجال أعمال كانوا قاعدين، والضحك والشياكة مالية المكان.
شريف كان واقف في وسطهم بيتكلم بثقة ويشاور على الأرض ويقول: “مشروعي الجديد هيغطي السوق كله.”
وفجأة، الأنوار كلها قطعت.. وعم السكون.
المعازيم بدأوا يتململوا، وشريف وشه اتخطف وزعق في الشغالين: “في إيه؟! النور قطع ليه؟! شغلوا المولد بسرعة!”
بدل ما المولد يشتغل، كشافات الطوارئ الكبيرة قادت وسلطت ضوء أبيض قوي على السلم الكبير بتاع البيت.
الكل لف وبص.. وصوت الهمس بدأ يعلى.
كانت أمي “إجلال” نازلة بكل هيبتها، ولابسة فستان أسود فورمال شيك جدًا، ووراها كنت أنا.. بس مكنتش ليلى المتبهدلة بتاعت الصبح. كنت لابسة تايير شيك، رافعة راسي، وشعري معمول، وفي إيدي الدوسيه الأسود والموبايل القديم.
شريف اتسمر مكانه، وعينيه كانت بتطلع شرار. جرى علينا وبصوت واطي مليان غل قال: “إيه المسخرة دي يا ليلى؟! إنتِ إزاي تخرجي من الأوضة؟ ومامتك لابسة كده ليه؟ اخلوا بره قبل ما أطردكم قدام الناس!”
أمي وقفت في وسطه ووسط المعازيم، وبصوت قوي ومسموع هز الجنينة كلها قالت: “تطرد مين يا شريف؟ إنت فاكر نفسك صاحب المكان؟”
واحد من أكبر المستثمرين قام وقال: “في إيه يا شريف بيه؟ مين السيدات دول؟”
أمي التفتت للمستثمر بابتسامة وثقة: “أنا إجلال الهواري، ودي بنتي ليلى.. صاحبة الأرض والمزرعة اللي شريف بيه بيبيع لكم الهوا فيها.”
شريف وشه اصفر وضغط على سنانه: “متصدقوهاش يا جماعة! الست دي وبنتها مريضات نفسيين وبيتبلوا عليا، أنا معايا عقود الإدارة والأسهم!”
* **ليلى (بصوت ثابت وقوي):** “عقود مزورة يا شريف! العقود اللي أنت مضيتني عليها وأنا تحت التهديد، وحسابات البنك اللي سرقتها من ورايا، والتحويلات اللي كنت بتهرب بيها الفلوس لبره مصر.. كلها معايا هنا.”
فتحت الدوسيه، وطلعت منه الأوراق، وفي نفس الحظة، ضغطت على زرار التشغيل في الموبايل القديم، وصوت شريف طلع عالي وواضح في المايك اللي أمي كانت مخبياه في إيدها:
*(صوت شريف في التسجيل: لو ممضيتيش على باقي الأسهم يا ليلى، هسيبك تموتي من الجوع في عشة الفراخ، ومحدش هيعرف لك طريق.. الأرض دي بتاعتي أنا ومفيش ست هتمشيني!)*
المعازيم كلهم شهقوا، وبدأوا يبصوا لشريف بقرف وصدمة. المستثمر الكبير لم أوراقه وبص لشريف وقال: “أنت نصاب يا شريف! والشراكة اللي بينا ملغية، وفلوسنا هترجع تالت ومتلت وإلا السجن بيننا.”
شريف بدأ يترعش، وبصلي بغضب أعمى ورفع إيده عشان يضربني وهو بيصرخ: “هخرب بيتك يا ليلى!”
لكن قبل ما إيده تلمسني، اتنين من رجال الأمن بتوع المزرعة (اللي أمي كانت اتفقت معاهم ودفعت لهم مرتباتهم المتأخرة اللي شريف أكلها عليهم) مسكوا إيده وكتفوه ورموه على الأرض وسط الطين.
أمي قربت منه، وبصت له من فوق لتحت ببرود قاتل وقالت: “أنا قولتلك يا شريف.. الليلة هتخسر كل حاجة. المزرعة دي اتقفلت في وشك، وحساباتك في البنك اتجمدت بأمر محكمة مستعجل اتقدم الصبح، والشرطة على الباب بره بتهمة التزوير والنصب والاحتجاز.”
شريف بص للأرض اللي غرقان فيها بطينه وبدلت الكحلي الشيك اتبهدلت، وبصلي بعيون مكسورة وهو مش مصدق إن الست اللي كان حابسها الصبح حافية وسط الفراخ، هي اللي وقفت حلم حياته كله في ثانية.
أمي مسكت إيدي ومشينا وسط المعازيم اللي كانوا بيوسعوا لنا وهم بيبصوا لنا باحترام.
وقبل ما نركب العربية، بصيت للمزرعة الكبيرة، وأخدت نفس طويل ونظيف، وقولت لأمي: “يلا بينا يا ماما.. الأرض رجعت لأصحابها، والشيطان خلاص مكانه السجن.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *