حمل غريب

صوت أمي كان بيهز حيطان الممر برة الأوضة، الغضب عماها تماماً ومبقتش شايفة قدامها، دخلت عليا وزقتني من كتفي وهي بتزعق بأعلى صوت عندها والناس كلها بتتفرج علينا:

“أنت هتفضل قاعدلي كدة زي الحرمة؟! سكتك ده هيموتني! البت دي لازم تطلقها فوراً.. دلوقتي حالا! أنت مستني إيه؟ مستني لما الفضيحة تكلنا وتجيب راسنا الأرض؟ دي مأمنتش على اسمك وعرضك وأنت شقيان ومتبهدل في الغربة!”

مراتي أول ما سمعت كلمة الطلاق، صرخت صرخة هزت قلبي، زحفت على الأرض ومسكت في رجلي وهي بتبكي بدموع توقف الدم في العروق:

“عشان خاطر بنتنا تارا يا أحمد.. متعملش فيا كدة! أنا مظلومة، والله العظيم مظلومة.. متضيعنيش، أنا ماليش ذنب في الكابوس ده!”

أبوها كان واقف ودموعه نازلة على شيبته، مش قادر ينطق بكلمة يدافع بيها عنها، والكسرة باينة في عينه.. الكارثة كانت أكبر من أي كلام.

في اللحظة دي، أنا كنت هموت.. عقلي هينفجر من الحيرة والعجز. بقيت واقف في النص، حائر بين ناريين، نار قلبي وعقلي اللي بيقولوا لي إن مراتي شريفة وعمرها ما تخوني، ونار أمي اللي بتطالب بكرامتي وشرفي اللي اتبعزق قدام الدكاترة والممرضين والمستشفى كلها. مش عارف أشك في البنت اللي عشت معاها أجمل أيام حياتي وعارف طهرها، ومش قادر في نفس الوقت أكسر كلام أمي وأقف ضدها في موقف زي ده والكل بيبصلي بنظرات شفقة واتهام.

الدنيا اسودت في عيني، ومبقتش سامع الصريخ ولا العياط اللي حواليا.. حسيت بحالة خنق رهيبة، ومبقتش قادر أتنفس.

بصيت لمراتي بنظرة كلها وجع وكسرة، وبصيت لأمي، ومن غير ما أنطق بحرف واحد.. نفضت إيدي من الكل، ولفيت ضهري وخرجت جري من الأوضة.

أمي قعدت تنده ورايا: “أحمد! يا أحمد رايح فين؟! سيبك منها وتعال هنا!”.. لكن أنا مكنتش سامع حاجة. جريت في ممرات المستشفى زي المجنون، نزلت على السلم مش مستني الأسانسير، وخرجت للشارع في نص الليل والجو برد.. سبت المستشفى وسبت بنتي ومراتي وأهلي كلهم ورايا، وهربت في الشوارع وأنا مش عارف رجلي واخداني على فين، وعقلي بيصرخ بسؤال واحد ملوش إجابة: “يا رب.. أنا عملت إيه في حياتي عشان أتحط في الاختيار ده؟!”

الشوارع كانت ضلمة وكأنها بتشاركني همي، فضلت ماشي على رجلي لساعات طويلة، مش عارف أنا فين ولا رايح فين. رجلي كانت بتتحرك لوحدها وأنا تايه في ملكوت الله. عقلي مبقاش يستوعب أي فكرة، ومش قادر حتى أفكر في خطوة واحدة قدام. أرجع البيت؟ أرجع لمين ولإيه؟ البيت اللي كنت هموت وأوصله عشان أترمي في حضن عيلتي، بقى فجأة أكتر مكان بيخوفني في الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *