حمل غريب

وفي نفس الوقت، في المستشفى، كانت مراتي عايشة قطعة من الجحيم. الشكوك بقت زي السكاكين بتقطع فيها من كل اللي حواليها. نظرات أمي، وكسرة أبوها، وهمس الممرضين برة الأوضة.. كله كان بيموتها في الدقيقة مية مرة، وهي مش بتبطل بكا ونحيب، دموعها جفت وصوتها اتنبح وهي بتصرخ وتدعي ربنا يظهر حقيقتها ويفك كربها.
الفجر بدأ يلوق في السما، وأنا لسه تايه في شوارع المحروسة الفاضية، هبطت وتعبت وقعدت على رصيف في شارع مقطوع، حاطط راسي بين رجلي وببكي بقهر الرجال..
وفجأة، حسيت بخطوات تقيلة بتقرب مني، وصوت خبط عصايا خشب على الأرض.. “طق.. طق.. طق”. رفعت راسي، لقيت قدامي ست كبيرة في السن، ملامح وشها كانت غريبة، طيبة جداً وفي نفس الوقت فيها غموض مرعب. كانت لابسة أسود في أسود، ومعاها عصايا بتتعكز عليها.
وقفت قدامي وبصت في عيني مباشرة، وقالت بصوت هادي ودافي هز كياني:
“مراتك مظلومة يا ابني وملهاش يد في اللي هي فيه.. بلاش تظلمها.”
برقت عيني ووقفت فجأة وأنا مذهول، جيت أسألها: “أنتِ مين؟ وتعرفي منين؟”.. لكن في اللحظة دي بالظبط، عديت عربية نقل كبيرة بسرعة وعملت صوت عالي، لفت ورايا ثانية واحدة من الخضة، ولما رجعت بصيت قدامي.. ملقتهاش!
الست اختفت تماماً! الشارع كان فاضي ومفيش أي مكان تستخبى فيه في ثانية واحدة.. اختفت وكأن الأرض انشقت وبلعتها.
جسمي كله قشعر، وضربات قلبي بقت سريعة وزي الطبل. كلام الست فضل يرن في وداني، وخلاني أخد بعضي وأرجع المستشفى وأنا مش على بعضي، عقلي شغال تفكير.. يعني إيه مظلومة؟ وإيه اللي بيحصل ده؟!
وصلت المستشفى، ودخلت الأوضة. أول ما شافوني الكل سكت. مراتي بصتلي بلهفة وأمل وهي بتعيط وتترعش. قربت منها، وقفت قدام سريرها، وبصيت في عينيها اللي ورمت من البكا، وقولت بصوت مكسور، طالع من وسط ضلوعي بالعافية:
“أنا مش عارف أصدقك.. ولا عارف أصدق الحقيقة والطب اللي قدامي!”
دموعها نزلت أكتر وبقيت بتهز راسها بيأس. بصيت لأمي وبصيت لأهلها اللي مستنيين كلمتي، وبلعت ريقي بصعوبة وقولت والنار بتاكل في قلبي:
“أنتِ طالق يا سمر.. طالق.”
الكلمة نزلت على الأوضة زي الصاعقة. أمها صوتت، وأبوها وطى راسه في الأرض، وسمر صرخت صرخة ووقعت فاقدة الوعي تاني، وأنا لفيت ضهري وخرجت وأنا حاسس إن روحي هي اللي طلعت مني مش مجرد كلمة قريتها.