حمل غريب

مرت الأيام عليا وأنا زي الميت، عايش بجسد من غير روح في شقة أمي، مش بنام، والأكل مش بيعدي من زوري. كلمة “أنتِ طالق” كانت بترن في وداني كل ثانية زي السكين اللي بتدبح في صمت. بنتي تارا كانت معايا، بتعيط كل يوم وتسأل “ماما فين يا بابا؟”، ومكنتش بلاقي إجابة أقولها ليها غير الدموع.

بعد أسبوع بالظبط من اليوم المشئوم ده، تليفوني رن في نص الليل. لقيت رقم أبوها.. قلبي انقبض وحسيت برعب غريب. فتحت الخط، جالي صوته مخنوق بالبكاء والكسرة: “الحقنا يا أحمد.. سمر بتموت في المستشفى!”

وقعت من طولها في البيت ونزيف حاد مبيقفش. نزلت جري من غير ما أفكر، نسيت كل حاجة ورحت المستشفى اللي اتطلقت فيها. وصلت لقيت أهلها كلهم واقفين برا أوضة العمليات، حالتهم تصعب على الكافر، وأمها بتلطم وبتدعي: “يارب أظهر حق بنتي قبل ما تقبض روحها!”.

بعد ساعات طويلة كأنها سنين، خرج الدكتور اللي كان متابع حالتها من الأول، لكن المرة دي وشه كان شاحب، وعينه فيها نظرة صدمة وذهول حقيقي، مش شك زي المرة اللي فاتت. جرى عليه أبوها وجريت أنا معاه: “طمنا يا دكتور.. بنتي مالها؟”

الدكتور نزع النظارة بأيد بترتعش، وقال بصوت مليان أسف وندم: “أنا مش عارف أقولكم إيه.. إحنا وقعنا في غلطة طبية وتسرع كارثي.. المدام مكنتش حامل!”

الدنيا لفت بيا تاني، وصرخت فيه: “يعني إيه مش حامل؟! أنت مش قولت التحاليل وبينات الدم مبتكدبش؟!”

الدكتور وطى رأسه وقال بكسرة: “التحاليل أظهرت هرمون حمل عالي جداً، ودا اللي خلانا نأكد إنها حامل.. بس للأسف، التحاليل المتقدمة والأشعة اللي عملناها دلوقتي بعد النزيف كشفت الحقيقة المرعبة.. دا مكنش حمل، دا كان نوع نادر وخبيث جداً من الأورام السرطانية في الرحم (Choriocarcinoma)، الورم ده بيفرز نفس هرمون الحمل بالظبط وبيتسبب في نفس أعراض الوحم والإغماء والترجيع.. لدرجة إن حتى دكاترة كتير بينخدعوا فيه في الأول.. الورم انفجر وعمل نزيف داخلي حاد.. وللأسف.. إحنا مقدرناش ننقذها.. البقاء لله.”

الكلمة نزلت عليا زي جبل اتهد فوق نفوخي. “البقاء لله؟ سمر ماتت؟ ماتت مظلومة؟!”
أمها صرخت صرخة هزت المستشفى كلها، وأبوها وقع على الأرض مش قادر يشيل طوله.

دخلت الأوضة زي المجنون.. لقيتها سرير مغطى بملاية بيضا. رفعت الملاية عن وشها.. كانت ملاك، وشها كان أبيض وصافي، ومفيش فيه غير ملامح الطهر والبراءة. ارتميت على جثتها وأنا بصرخ وببكي بقهر وعذاب عمري ما حسيت بيه: “سامحيني يا سمر!.. أنا ظلمتك.. الدنيا كلها ظلمتك وأنتِ كنتِ بتموتي من المرض والوجع! أنا أسف يا حبيبتي.. أسف إني مصدقتش طهرك ومصدقتش كلامك!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *