ترقيه شغلي

لما حماتي عرفت إني اتنقلت إلى الصعيد، فضلت تعيط وتضغط على جوزي علشان يطلقني. وأنا وافقت ووقّعت من غير تردد. مكنش يعرف أن شقتى اللى قاعدين فيها كانت سكن لموظفين الشغل……. بعدها بثلاث أيام، الإدارة بلغت جوزي بسبب تغيير منصب طليقتك، يُرجى إخلاء السكن المخصص لأسر العاملين خلال سبعة أيام.
كان قرار النقل المختوم بالختم الأحمر موضوع بهدوء فوق الترابيزة، لكنه بالنسبة لي كان أشبه بنار مشتعلة، انعكست أضواؤها في عينيّ بطريقة مستحيل تنطفي. كان ده التكريم اللي استحقّيته بعد عشر سنين كاملة من الشغل والاجتهاد كمهندسة في مجال الأجهزة والمعدات الدقيقة.
كنت هنتقل للصعيد، علشان أتولى منصب أساسي كواحدة من الكفاءات الفنية الرئيسية في مشروع قومي مهم جدًا اسمه مشروع نجم الشمال. لكن اللي ما كنتش أتوقعه إن وسام النجاح ده نفسه هيكون آخر نقطة في زواجي.
جوزي، أحمد، الراجل اللي كان زمان بيقول لي إنه نفسه يسافر معايا ونشوف الدنيا كلها سوا، بقى دلوقتي بيمد لي ورقة طلاق باردة، وسط عياط أمه وانهيارها. قالت حماتي أنا مش موافقة! لو عايزة تروحي، روحي لوحدك، ابني مش هيروح! ولو مصممة تروحي، يبقى تتطلقوا!
كان صوت حماتي، نادية، حادًا لدرجة إنه شقّ جو الصالة الخانق. عينيها كانت حمرا من العياط، وقعدت فجأة على الأرض، وفضلت تخبط بإيديها على البلاط البارد. الحركة كانت متقنة بشكل غريب، كأنها عملتها واتدربت عليها مئات المرات.
أنا اسمي مريم، عندي اتنين وتلاتين سنة، ومهندسة أولى في هيئة أبحاث علمية تابعة للدولة. أما أحمد، جوزي، فكان موظفًا في قسم الخدمات واللوجستيات بإحدى الجهات الحكومية. إحنا اتجوزنا من خمس سنين، وكنا عايشين طول الفترة دي في شقة تابعة للجهة اللي بيشتغل فيها، في منطقة سكنية مخصصة للعاملين، والمباني فيها كلها تقريبًا بالطوب الأحمر.
من تلات أيام، استلمت قرار نقلي الرسمي، واتعيّنت نائبة للمهندس العام في الفريق المسؤول عن مشروع نجم الشمال في الصعيد. كانت فرصة ضخمة في حياتي المهنية. لكن في نفس الوقت، معناها إننا هنسيب القاهرة ونروح منطقة بعيدة جدًا. أنا كنت متخيلة إن أحمد هيفرح عشاني.
كنت متخيلة إنه هيشوف مستقبلي المهني نجاح لينا إحنا الاتنين، وإنه هيكون متحمس للمستقبل اللي ممكن نبنيه سوا. لكن اللي استقبلني بدل ده كان نوبة عياط وصوت عالي من حماتي، ونظرات أحمد اللي كانت بتهرب مني. قال أحمد وهو بيحاول يهدي أمه ماما، قومي الأول من على الأرض، الأرض ساقعة.